القرآن الكريم والحقائق العلميّة

في لحظةٍ مهمّةٍ حاسمةٍ من تاريخ الإنسان، نزلَ الوحي على قلب عبد الله ورسوله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليفتح له آفاق السماوات بالكتاب الفصل الذي ألقى على الإنسان مسؤوليّة خلافة الأرض، وعرّفه القوانين التي تحكم الحياة، والسُّنن التي تحكم المجتمعات، وأعلمه بالقصص والعبر سبُل النهوض والتكامل، وطُرق الانهيار والسقوط، وحدّد له سُنناً، وأعطاه أمثلةً ونماذج ليتّعظ بها، ويستفيد منها، وضمّن كتابه آياتٍ علميّةً لتكون شاهد صدقٍ على إثبات البعد الإلهيّ لرسالته، ومحفِّزةً إلى المعرفة وجاعلاً منه كتاباً لكلّ زمانٍ ومكان..فالبعد العلميّ في القرآن الكريم وأهمّيّته ودوره وبعض نماذجه، أمورٌ سنتناولها منها:-
قيمومة القرآن وتفوُّقه
يُثبت القرآن الكريم نفسه بين الكتب السماوية، ويفرض وجوده على الوجود الإنسانيّ انطلاقاً من التحوّل الحضاريّ الذي أحدثه في حركة المسلمين، واعتماداً على القيَم والمبادئ والأصول التي سبق إليها كلّ النظريّات والأفكار، وتأسيساً على الحركة المتكاملة والمتوازنة التي وضعها ورسمها للكون والوجود، وعلى طبيعة حركة الإنسان واختياره واتصاله وعلاقته بربّه وخالقه. هذه الأوجه وغيرها من الإعجازات يتعرّف المسلم من خلالها إلى قيمومة القرآن وتفوّقه، وتقوده إلى استشراف السمات المختلفة لهذه المعجزة. فمضافاً إلى الإعجاز اللغويّ والبلاغيّ والنغميّ والقصصيّ والمنطقيّ والغيبيّ والسننيّ والتشريعيّ، توجد أوجُه إعجازيّة أخرى، كالإعجاز العلميّ، الذي يسبق غيره بأنّه لا يدلّ المسلم على حقيقة البعد الإلهيّ للقرآن فقط، بل يحرّكه ليفهمَ أنّ اكتشافات الإنسان ستزيد في التأكيد على كونه لكلّ مكانٍ وزمان.
القرآن كتابُ تفكُّر
أوردَ القرآن الكريم قوانين ثابتة وصارمة ومطّردة، تتحكّم بهذا العالم وما فيه من نبات وجماد وحيوان وإنسان وأرض وسماء، ولا يخرج عن أحكامها شيء؛ منها الآيات التي تتحدّث عن القوانين الطبيعيّة الحاكمة على حركة الشمس والقمر ونشأة الإنسان وإحياء المطر للنبات، ومنها الآيات التي تتحدّث عن حركة الإنسان في التاريخ وحركة الأقوام والجماعات: تصرّفاتهم وأحوالهم وسعادتهم ورقيّهم وشقائهم وذلّتهم.. كان أحد مقاصد القرآن من كلّ هذه العروض لكونها آياتٍ هندسيّةً مدهشةً وفائقةَ الصنع، تسير بهذا الإنسان إلى التفكّر في علم وإبداع المهندس الحكيم عزّ وجلّ.
القرآن والدعوة إلى المعرفة
إنّها قوانين علميّة، لا يدّعي كتاب الله تعالى أنّه سيكون بديلاً عن التجربة الإنسانيّة التي ستقود لاكتشافها، ولا يُقدَّم على أنّه كتاب يحتوي علوم الفلك والفيزياء والرياضيّات والكيمياء وغيرها، بل يؤكّد وجود إشاراتٍ عليها، يتحدّى أيّ عالمٍ أن ينقضها، ستشكّل مدخلاً ومعبراً للتأكيد على ألوهيّة مَن ذكَرها.
القرآن والفصل بين: كيف؟ ولماذا؟
هذا الفصل بين كيف؟ ولماذا؟ ورسْم الحدود بينهما هو ما يقي القرآن والإسلام من الوقوع في أقسى أزمات الحضارة الإنسانيّة، حين تصدّت الكنيسة لإجابات العلوم الطبيعيّة، وفرضَت افتراضاتها الكيفيّة، ومنعت كوبرنيكوس وغاليليو وغيرهما من إظهار اكتشافاتهم المذهلة، فاتّهمت أنّها تقف عائقاً أمام تطوير مسيرة العلوم، وأوقعت نفسها في تصادم مع النظريّات العلميّة؛ الأمر الذي فرض عليها التنحّي عن دورها القياديّ للحياة والرياديّ في المجتمع بعد الإنجازات العلميّة المذهلة. على العكس من ذلك، كان للقرآن الكريم دوره الكبير في تفجير طاقات الإنسان وتحفيزه المعرفيّ ودفعه إلى اكتشاف النظم والقوانين، ومحرّك له في المسار الصحيح، فهو يطلب من الإنسان أن يستعمل أدوات العلم المسخّرة له.
القرآن وأسرار الطبيعة
عندما تصدّى القرآن الكريم أحياناً لسؤال: كيف؟ وأشار إلى قوانين طبيعيّة علميّة، إنّما كان ذلك في سياق إثبات قيمومته وإعجازه؛ ليكون الزمان عاملاً في تأكيد ألوهيّته، وليفتح باباً لليقين أمام الباحثين عن الحقيقة، فلا نترقّب من القرآن الكريم أن يتحدّث لنا عن مبادئ الفيزياء والكيمياء أو النبات أو الحيوان، مع العلم أنّ ما في القرآن الكريم من إشاراتٍ علميّةٍ لا يعدو كونه في سياق التأكيد على البعد الإلهيّ للقرآن، وبقدر ما يُثبت العمق الربّانيّ لهذا الكتاب الذي أحاط بالماضي والحاضر والمستقبل، والذي استطاع أن يسبق التجربة البشريّة مئات السنين في مقام الكشف عن حقائق علميّة..وهذا ما حدث فعلاً بعد سيطرة المدارس الوضعيّة الكونتيّة والمنطق المادي الديكارتي على الحضارة العالميّة؛ الأمر الذي جعل العصر يكتشف أنّ كتاب الله تعالى ليس نموذجاً «للرجعيّة»..أخيراً، يجدر الالتفات إلى ضرورة التيقّظ من الإفراط في مقولات الإعجاز العلميّ، بحيث يتمّ تصوير أيّ اكتشافٍ علميّ على أنّه من الإعجازات العلميّة؛ ما يستدعي زلزلة اعتقاد بعض الناس في حال تبيّنَ فساد الاكتشاف، فالاكتشافات العلميّة درجات، منها الفرضيّة والنظريّة والحقيقة العلميّة. وحتّى نثبّت أوتدة الإعجاز على قواعد ثابتة، يجدر أن نكتفي منه بما يوافق الحقائق العلميّة القطعيّة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.