بغداد.. تستحق البكاء ..

بغداد عاصمة العراق هي نفسها من كانت عاصمة العالم ذات يوم . بغداد المجد والحضارة والف ليلة وليلة . بغداد شهريار وشهرزاد والمارد والسندباد . بغداد الكرخي والزهاوي والرصافي والجواهري ونازك الملائكة والكاظمي والبياتي , بغداد مظفر النواب وعريان السيد خلف . بغداد فائق حسن ومحمد غني حكمت وجواد سليم . بغداد المتألقة حتى وقت قريب من سبعينات القرن الماضي .النظيفة الراقية المتحضرة ببنيانها وناسها الزاهية بجمالها وجمال اهلها وأناقتهم . المتميزة بعلمائها وجامعاتها وبهاء رجالها ونسائها وأناقتهم الزاهية بساحاتها ورونق شوارعها . كيف هي اليوم وكيف امسى حال بغداد الحبيبة بعدما ماتت جل معالمها واستبيحت كوامن هيبتها ونهبت متاحفها وأستباح الفاسدون شواطئها وقصورها وزحف الزاحفون على ارصفتها وتهرأت نصبها وتماثيلها ولم يعد في بغداد الأمس شيء رغم محاولات بعض الشرفاء لأن يرمموا ما يمكن ترميمه او يحافظوا على ما لم ينهب بعد او تمتد اليه قيادة قوات العشوائيات المحصنة عشائريا وحزبيا ولكن من دون جدوى . اكبر معلم في بغداد ورمز من رمز هويتها نصب الحرية هو الآخر أمسى متهرئاً بليدا مهددا بالانهيار وهو الذي كان يكحل اعين القادمين من جسر الجمهورية بأتجاه ساحة الحرية فأمسى اليوم غائبا مختفيا خلف لافتات عشوائية واشجار عشوائية وتخطيط عشوائي . حديقة الأمة هي الأخرى وبدلا من تأطيرها بالنافورات الملونة والراقصة والزاهية في كل زاوية منها تربعت في قلبها بناية لأمانة بغداد بفال انها مركز ثقافي لكنها ذبحت حديقة الأمة من الوريد الى الوريد. أرصفة متناثرة وشوارع محفرة وبيوت متهالكة ومبانٍ بائسة لا تتجاوز إرتفاعاتها سوى طابقين أو ثلاثة . أحياء عشوائية تحيط بها من كل الأتجاهات بل وتتربع في قلب العاصمة بعدما تحولت المساحات الزراعية الخضراء وبساتين النخيل بقدرة قادر وبين ليلة وضحاها مدناً عامرة بفوضيتها ومملكات قائمة بعشائرها وماء وكهربائها ومجاريها . لقد جعلت العشوائيات على وجه الخصوص التصميم الأساس لمدينة بغداد في خبر كان وجعلت من الفوضى فوضويات تنتشر في كل مكان وتتحدى القانون وتسخر من كل السلطات لتمتد تلك السطوة بتداعياتها الى غياب الأرصفة وإحتلالها من أصحاب البسطيات والمتجاوزين على الطريق العام وهو ما حول المدينة إلى قرية بدائية تنتمي إلى القرون الوسطى بقذارتها وطرقها البدائية لعرض الغذاء والطعام وحركة الناس من كل مكان وكيفما كان كما هو الحال في ساحتي عدن والطيران على سبيل المثال لا الحصر في مشهد بائس يعبر عن فقدان الذوق العام وغياب السمات الحضرية ولا حتى الأصول والآداب التي يتمتع بها أهلنا في الأرياف ولا علاقة لهم بالمدنية والمدينة . في بغداد اليوم فوضى الإختلاط الغريب ما بين الأزقة والأحياء المخصصة للسكن والمحال الصناعية الخاصة بالحدادين والفيترجية وأصحاب الراديترات والصالنصات كون هؤلاء يتداخلون مع السكان وأصبح كل حي لا يحمل تسمية أحد المشاهير او الشهداء في المنطقة من العلماء والوجهاء أو الفنانين بل يحمل اسم احد السمكرية او الفيترجية مثل فرع عباس كابريتر او حمادة صالنصة وهي ألقاب وكنى غريبة تثير الاشمئزاز لكنها تعبر عن واقع حال كرسه عجز الدوائر المختصة من إنقاذ الأحياء السكنية من هذه المحال المتطفلة إلى أماكن وأحياء صناعية سبق إن أقرها التخطيط العمراني للعاصمة بغداد خوفا على تدمير البنية الإجتماعية والسلم المدني للأحياء السكنية . المشكلة في الأمر اننا لم نقرأ او نسمع برنامجا انتخابيا واحداً لكتلة او حزب يهتم بهذا الشأن ويضع رؤيته لحلول ناجحة ابتداءا من توفير مجمعات سكنية تحتوي سكان العشوائيات ومجمعات تسوقية لأصحاب البسطيات الذين يعانون من البطالة رغم ان اغلبهم خريجون ويحملون الشهادات الجامعية وانتهاءاً بالنهوض العمراني للعاصمة وان يدعم ذلك بقوة القانون ليكون سندا لأمانة بغداد للقيام بدورها من دون خوف او تردد .

منهل عبد الأمير المرشدي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.