البغداديون والشاي في ثلاثينات القرن العشرين

طارق حرب

عرفت بغداد الشاي منذ القرن السادس عشر الميلادي فإنه انتشر بشكل واسع منذ أيام الوالي العثماني مدحت باشا سنةّ 1869 م والذي يبدو ان الاغنية البغدادية المشهورة «خدري الجاي خدري»، و»خدري الجاي يا بنيه»، والبنيه تعني البنت وكلمة (خدري) تعني إعداد الشاي وصنعه، وهاتان الاغنيتان لا بد أن يكون زمن مدحت باشا وإن كانتا من التراث البغدادي.
والشاي فاكهة المقهى أو طعامه وما يقدم فيه، وعلى الرغم من منافسة الشاي من أنواع أخرى شعبية كالحلويات والقهوة والمثلجات كعائلة الكولا من الببسي وغيره والعصائر والمشروبات والآيس كريم وسواها من المثلجات كالموطا والعصائر والشرابت الاجنبية منها (الكاباتشينو) وسوى ذلك، استمر الشاي بطل المقاهي وفارسها والمفضل لدى روادها حتى في اشد الايام حرارة. ويسمى من يعمل الشاي في المقهى (جايجي) والشاي (جاي) باللفظة الفارسية والتركية. وعادة يقدم في كؤوس زجاجية صغيرة سواء في المقهى ام في البيت تسمى (إستكان)، وهذا الاسم جاء من لفظ (ايست) والتي تعني الشرق و(كان) وتعني تعبئة، اذ ان الشاي يأتي لبغداد من الشرق، وخاصة جزيرة سيلان في البحر جنوب الهند. لذلك قيل ان أفضل أنواع الشاي هو الشاي السيلاني لتخصص اهل هذه البلاد بزراعة الشاي، وان كان الشاي يزرع في دول أخرى وخاصة الشاي الصيني الاخضر.
وقد ذكر الدليل الرسمي لمملكة العراق الجهات المستوردة والتي تتاجر بالشاي وتتولى بيعه في بغداد، ويلاحظ ان أغلبية العاملين في هذا النوع من التجارة والاستيراد والبيع هم من اليهود البغداديين، وقد توزعت محال التعامل في الشاي على أماكن كبيرة في بغداد أهمها شارع الرواق في رصافة بغداد والذي كانت فيه الجهات التي تتعامل بالشاي التالية: ابراهيم ساسون مكمل وأخوه اسحاق، وأندر واير وشركاؤه، وجوزيف رابينو، وساسون عزرا خزام وشركاؤه، وسليم وأنور موسى توما، وعبد المجيد تريزي، وعزرا سوفير، ومحمد ابراهيم، ومحمد سيد حسين حلاوي، ومنشي مير مراد وشركاؤه، ومير شاؤول ابراهيم، ومير نسيم حكاك، ويهودا زلوف، ويهود يعقوب نونو، ويوسف بيرص.
وفي شارع الرشيد اسحاق بناني وأخوه، وشركة بروك بوند وشركاؤه ليمتد، وحنا الياس ليراتو، وشركة داود ساسون وشركاؤه المحدودة، وعزرا أم سودائي، ومحمد جنابي. وفي خان الأسترابادي اسماعيل كرنديان، وفي سوق الصفافير الياهو داود حسقيل، ورحمين نسيم مصري. وفي شارع السموأل حسقيل عزرا رحمين، وداود وشاؤول ساسون جوان واولاده، وصيون ومنشي يعقوب بحر، وعزرا الياهو العاني، وعزرا حسقيل زكاي، ومنشي اسحاق، ومنشي حسقيل. وفي سوق الشورجة حسين سيد قريشي، وعبد الرزاق الشالجي، ومحمد جواد تويج. وفي خان دله الكبير داود سلمان، وداود يعقوب سوفير. وفي خان دله ساسون عزرا بحر. وفي خان شماش شماش أخوان وفي خان الكرجي صالح اليشاع ساسون. وفي شارع الغزالي شركة عزرا صيون يعقوب وشركاؤه، وفي شارع المستنصر مخزن التجهيزات البريطانية العام، ومراد أغاسي، وفي خان معمالجي منشي مشعل، وفي خان البرازلي يوسف اسحاق كرجي.ويعتقد ان الشاي لفظة صينية تعني نوعا من انواع ورق الشجر التي تغلى بالماء فتشرب حارة، وعمل الشاي أي طبخه درج البغداديون على تسميته بالتخدير، والواقع ان التخدير يعني ابعاد اناء الشاي عن المصدر الحراري، او جعل الماء الحار لمدة مع اوراق الشاي الصغيرة ليستقر الماء ولينفذ من خلال الورق، وعادة يعمل الشاي في وعاء سمّاه البغداديون «القوري»، وهو اناء خزفي. والقوري من لفظة قوارير كما ورد في سورة النمل انه صرح ممرد من قوارير، وعادة يتم عمل الشاي الجيد على الفحم والخشب وليس على النار، واحسن انواع الفحم المستورد من كراتشي المدينة الباكستانية، وعادة يتم وضع استكانات الشاي بمواعين خزفية صغيرة او زجاجية، وغالبا ما تكون منقشة، وملعقة الشاي تسمى بالبغدادي (خاشوكه)، وغالبا ما تكون مصنوعة من النحاس الابيض، واحيانا من الفولاذ. وفي المقهى البغدادي عادة ما يتم سؤال الزبون عن نوع الشاي ثقيل كسكين زنكين، اي كمية الشاي الورق كثيرة بحيث يكون الشاي اكثر سوادا، او خفيفا اي قليل الورق. ويتم سؤال الزبون في المقهى عن السكر الذي تتم اضافته للشاي كثيرة او متوسطة او قليلة.
وخير الشاي ما جرت العادة في بغداد تقديمه بالمساء بعد قيلولة الظهيرة، وعادة يقدم مع الكعك وهو نوع من المعجنات التي تختص به بغداد، وقد يكون بدون سمسم، ويسمى بالسادة، اي بلا سمسم او يقدم الكعك بالسمسم عندما ينثر على وجه الكعكة، ويمتاز اهل بغداد في تلك المدة باحتساء الشاي وبكثرة، حتى انك عندما تسأل احدهم عن سبب شروده يجيبك انه بسبب عدم شرب الشاي. وفي أحيان كثيرةيقتصر الفطور الصباحي على شرب الشاي فقط. وكان شائعا في مقاهي بغداد في خمسينات القرن الماضي شرب الماء والسكر في الاستكان بدون شاي ويسمى ( القنداغ)، ورحم الله الحاج علي البياع عندما يأتي الى منطقتنا لتفقد بساتينه في منطقة الزعفرانية، اذ لا بد ان يجلس في المقهى ويوقف سيارته اخر موديل خمسينات وستينات القرن الماضي حيث يوعز لسائقه بالقنداغ، وينادي صاحب المقهى وهو جالس في مقدمتها الى عامل المقهى (قنداع وير) للحجي، وكلمة (وير) تعني واصل ثمنه ولا يطالب بثمن القنداغ.
وسلاما على المقهى التي عملها والدنا بالزعفرانية عندما كان مختارا لها في سنة 1959 بعد احالته إلى التقاعد، فلقد شاهدنا فيها الكثير. وكان هنالك العامل (الجايجي) دعبول والذي كان يجيد اعداد الشاي ويحمل في يده ما يصل الى سبعة (استكانات) مرة واحدة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.