السيف و الفتوى دراسة توثيقية لجرائم الإبادة الجماعية في العراق من العصر الأموي حتى الاحتلال العثماني

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

37

تنشر (المراقب العراقي) كتـــاب (السيف والفتــوى) لـ د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الإبادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الأموي وحتى العصر العثماني.مورست أبشع اساليب التعذيب في سجون السلطة الفاسدة سواء الأموية ام العباسية أم البويهية أم المغولية ام العثمانية فهم جميعاً شركاء ومتفقون في الظلم والإبادة وفعل القبائح رغم اختلاف التوجهات، من بينها الضرب بالمقارع وهي خشبة في رأسها سير يضرب بها البغال والحمير، والصلب والخنق بوساطة حبل وسمل العيون بحديدة محماة أو فقؤها بالشوك وقطع اللسان وباقي أعضاء الجسد، وأتباع أسلوب الغرق، والدهق وهو آلة تعذيب تشتمل على خشبتين يضيق بهما على ساقي المعذب أو أحد أجزاء بدنه.
ليس السجون وحدها كانت الحل الأمثل لإسكات صوت المعارضة وإنما كان يرافقها تهجير قسري ومطاردة وتشريد لكل من يعارض نزوات الراغبين بالتسلط واستعباد الناس أرضاءاً لنزواته الشريرة.
وبرغم أن التهجير كانت أحدى الوسائل التي أقرها القرآن الكريم لإبعاد الفاسدين والذين يحاربون الله ورسوله، إذ نصت بعض آيات القرآن الكريم على نفي وإبعاد من حارب الله ورسوله وسعى بالأرض فساداً كقوله تعالى: (إنما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتًلوا أو يصلًبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
وجاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله ألا الله وأن محمد رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه فإنه يرجم، ورجل خرج محارباً لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفساً فيقتل).
وكان رسول الله (ص) قد نفى أناساً كانوا يسعون إلى محاربة الله ورسوله ويعملون على نشر الفساد وإيتان المنكر، ومن الذين نفاهم رسول الله الحكم بن العاص بن أمية بسبب مجاهرته العداء للإسلام والإيذاء والاستهزاء برسول الله، وظل في منفاه إلى حكم الخليفة عثمان بن عفان الذي أعاده إلى المدينة.
وفي خلافة أبي بكر نفى رجل كان قد وقع على جارية باكر فحملت منه، واعترف بجريمته للخليفة، فأمر بجلده ونفيه إلى أرض فدك.
وتذكر المصادر التاريخية أن الخليفة عمر بن الخطاب نفى أبا محجن الثقفي الذي كان يشرب الخمر ويتغنى به، وكذلك أمر الخليفة عمر بنفي نصر بن حجاج بن علاط السلمي الذي أسهبت المصادر في حادثة نفيه، فيذكر عنه أن امرأة من اهل المدينة حبته حباً شديداً، وذلك لما كان يتصف به من جمال بارع، وفي ذات ليلة مر عمر بجوار دار تلك المرأة فسمع صوتها وهي تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
فلما جاء الصباح أمر الخليفة بإحضاره، وعندما رآه بهره جماله، عندها قال له: (أأنت الذي تتمناك الغانيات في خدورهن؟)، فأمر الخليفة أن يطمس بعض جماله، فحلق رأسه، ثم تأمله فإذا به يزداد جمالاً على جماله، فقال الخليفة: (والله لا تساكنني ببلدة أنا بها)، ثم نفاه إلى البصرة.
وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان استمرت عقوبة النفي، فقد أشارت المصادر إلى قصة نفي عبد الله بن سبأ الذي حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً. وأخذت عقوبة النفي في الاتساع لتشمل أناساً لم يكونوا قد خرجوا على الدين، وإنما لاحتجاجهم على سياسة السلطة، ففي حكم الخليفة عثمان الذي أتهم بمحاباته الأقارب وإيثار أهله وعشيرته من الأمويين بما فيهم الطلقاء والطريدون، وكان من بين اولئك عبد الرحمن بن حنبل الحجمي، الذي ضم صوته إلى أصوات الذين نقموا على عثمان أغداقه الأموال على بني أمية وإعادته الحكم بن العاص طريد رسول الله.
وممن نفاه عثمان بن عفان، الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري حيث نفاه إلى الربذة ومات فيها، وهو أحد السابقين الأولين، كان خامساً في الإسلام، ومن أكابر العلماء والزهاد، كبير الشأن، كان عطاؤه في السنة أربعمئة دينار لا يدخر منه شيئاَ وقال عنه رسول الله (ص) :(ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر)، وقال رسول الله بحقه أيضاً: (أمرت بحب أربعة لأن الله يحبهم: علي وأبي ذر وسلمان والمقداد)، وله من المناقب الشيء الكثير التي لا يسع المقام إلى ذكرها.
في العهد الأموي تكررت عقوبة النفي والتهجير القسري، فصارت عملاً متعارفاً عليه، وأصبحت ممارستها أمراً مسلماً به كغيرها من العقوبات، وأصبحت تطبق على الافراد والجماعات على حدٍ سواء، وأصبح التهجير ألقسري أحدى الأدوات التي مارستها السلطات القمعية منذ العصر الأموي وما تلاها من عصور الظلم والطغيان. فقد أتبع معاوية وزياد أسلوب التهجير ألقسري لعرب العراق ممن كانوا يعارضون سياساتهم القمعية، فذكرت المصادر التاريخية أن زياد قام بتهجير خمسين ألفاً مع عائلاتهم من القبائل العربية في المصرين البصرة والكوفة إلى خراسان، كما قام زياد بنفي جماعة من الأزد أتهموا بالتعاطف مع الخوارج من العراق إلى مصر.
وعمل عبيد الله بن زياد الذي كان والياً على العراق في عهد يزيد بن معاوية بنفي جماعة من أنصار الإمام الحسين عليه السلام إلى انحاء متفرقة، بعضهم إلى الشام، وبعضهم إلى مصر، والبعض الآخر إلى أفريقيا، وآخرين إلى الحجاز.
بعد تسلم المنصور مقاليد الحكم سنة (136 هـ/ 754 م) عمد إلى سياسة الحزم والشدة تجاه العناصر المعارضة لحكمه وخاصة العلويين، فشدد المراقبة وبث الجواسيس على آل الحسن أصحاب الثورة الحقيقيين ضد الحكم الأموي، حتى أن محمد النفس الزكية وأخاه إبراهيم لما وجدا المنصور يلاحقهما، وأن الرقابة أصبحت شديدة عليهما، وأن جواسيسه تتبعهما، قررا التواري عن الأنظار مدة من الزمن لعل ذلك يخفف من حدة المراقبة عليهما، فهربا إلى عدن ثم إلى السند ومنها رجعا إلى الكوفة، ثم رحلا إلى المدينة المنورة موطن آبائهم، واستمر المنصور بمتابعتهما فكتب إلى محمد بن خالد القسري ـ ابن الوالي الأموي على الكوفة ـ والذي لاقى أهل الكوفة منه أشد العذاب، جاء المنصور ليعين ابن الجزار القسري والياً على المدينة في محاولة للقبض على آل الحسن، وبعد فشل مهمته قرر المنصور تعيين والٍ يمتاز بالشدة والفتك والإرهاب وهو رياح بن عثمان المري، وكان أبوه وأبن عمه ممن خدما الدولة الأموية مدة من الزمن، فأبن عمه مسلم بن عقبة هو الذي قضى على ثورة أهل المدينة بوحشية بالغة سنة (63 هـ/ 682 م)، أما أبوه عثمان المري فقد اساء لعبد الله بن حسن وبعض أهل بيته اثناء توليه المدينة سنة (93 ـ 96 هـ/ 712 ـ 715 م)، فقام الوالي الأموي ـ العباسي بتطبيق سياسة البطش وراح يهدد عبد الله الحسني في سجنه بضرورة تسليم أبنيه، وأخذت الملاحقة لمحمد بن النفس الزكية وأخيه من رياح المري بأمر من المنصور حتى أعلن محمد النفس الزكية الثورة سنة (145 هـ/ 762 م) والتي استشهد فيها. وهنا لا نقصد بأن التشريد والملاحقة كانت خاصة بمحمد النفس الزكية وأخيه وإنما كانت تشمل ذويهم وأتباعهم ممن عارضوا سياسات السلطة الحاكمة.
عمد هارون العباسي في سنة (171 هـ/ 787 م) إلى نفي وإخراج العلويين من بغداد إلى المدينة المنورة.
المعتصم العباسي (218 ـ 227 هـ/ 833 ـ 842 م) كان له دور في تشريد من في رعيته، وكانت الشبهة والظن هو الأسلوب السائد لدى العباسيين، ومن بين ما قام به في هذا الجانب مضايقته محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، إذ أثار في نفس المعتصم المخاوف التي أثارها الإمام محمد الجواد (ع) من قبل، مما حدا بمحمد بن القاسم على ترك الكوفة والتوجه إلى خراسان فراراً من بطش المعتصم، مع خلق كثير من أهل الكوفة وغيرها، واستمر المعتصم في ملاحقته حتى حبسه في سامراء وقتله بالسم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.