تجليات الروح بترانيم ايقاعات شعر محمد الحافظ

يتناغم الانسجام الهرموني،وتوزيعه المتوازن، بدهشة الايقاعات التي تتموسق في نصوص الشاعر «محمد الحافظ»، لذا تجد ان النص قطعة موسيقية من استهلالها، لذروتها، لختامها. تجربة صقلت بمران الشعر من بحور الخليلي للتفعيلة، لم يأت التميّز إعتباطاً بل هو ثمرة قراءة مستمرة لاكثر من 4 عقود للشعر العربي، والعالمي وليس وليد الصدفة، أو هواجس ذاتية، سطحية، لا معنى لها كالسائد اليوم بمعظم ما يدوّن ويُنشر الذي يغلبه خلو الذهن من الفلسفة، الأسطورة، التأريخ، علم النفس.. فضلاً عن الجهل ببحور الشعر ونظمه يُنتج ذلك.
فيما أجد عمق المعنى، ورمزيته، وإحالاته الدلالية التي تشي بقدرة «الحافظ» على إنتاج النص الذي يحمل بثيماته جوهر الشعر بالبناء النسقيّ، ودلالات المضمون بألفاظه، وبلاغته، ومعانيّه.. يخرم جسد النص ويرتقه كمن يقص القماش ليخيط عباراته فتنتج تلك الثياب الزاهية، نصوصه عند فحصها يتراءى ما يلي: حكايات وطن، شغف الأمهات بمجيء فلذات الأكباد من الحروب العبثية التي صبغت حيوات المجتمع بالسواد لكثرة ما استشهد على ثرى الوطن من شبابه وكهوله، من احزان تموز في سومر والبحث عن الخلود بملحمة كلكامش إلى تقريع ساسة الغفلة، وقراصنة الحلم، نصوص الحكمة، تعبر عن هواجس الروح باشتهاء الحب النقي للأنثى حبيبته المشتهاة الحب الذي لا يعرف النسيان، التوتر الداخلي يفجر روح التعلق لرأب صدع الفراق المر الموحش وغول الموت الذي يغتال هديل الرغبة الدائمة المتضور والمكتوي بالحب الهارب.. وتحقيق يوتوبيا الذات بلا ازمات ولا صخب ومرارات وخسارات لتغدق علينا تلك النصوص بجماليات الالفاظ الشعرية التي يعج بها ديوانه الشعري (مجازا احاول اغواء اللحظة) دار امل الجديدة 2017 ـ ط 1/ دمشق 112 صفحة.
يذكر الناقد الدكتور «هادي نهر» في كتابه: المضامين الإنسانية والتشكيلات اللغوية في شعر نادر هدى، وهو يستقيه بالهامش من عدة نقاد عرب أشار لهم ص 82: (إنّ الكلمة في النص الشعري تنطوي على تصميم داخلي معقد يحكم جرسها، وبناءها الصرفي ،ودلالاتها المجازية وإيحاءها الفكري والشعوري ، بما يؤكد أنَّ تحليل الكلمة الشعوري وفك رموزها بجميع ظلالها ومظاهرها ،فن قائم بذاته …. ان القوة التعبيرية للكلمة ، وفعلها في النص الأدبي لايتأتى من معناها وحده ، بل من طبيعة جرسها ،وشكلها البنائي وعلاقتها بغيرها من الكلمات).
المرأة التي دخنتها ذات يوم
اعلم انك حبيبتي
اعلم هذا
ما زلت انا صلواتك الاولى
وهذيانك المبكر
اقلعي عن تدخيني
في سهراتك الماجنة
واضربي بي بين كؤوسك
تلك التي لمستها شفتاك
رأيت..
اني لا أملك سوى بياض
أرّقته ضحكاتك
تلك التي يملؤها نمل محبتك
اراك متيقظة كغراب احلامك
كالعشق الصوفي، والذوبان الروحي بالفناء، يتماهى الشاعر مع حبيبته ، بفسحة البياض ولعبة الاغواء ،لكن الفراق يهدد أركان الروح ، ووهج الحب ، من عبق يضوع الى يباب مفارقة تكتنز بالمرارة بعض ملامح الثراء يرغب بقطفه وقذفه بالفرات لعلّ التجدد باللقاء .. كل نص من نصوص الديوان يحتاج لقراءة خاصة تعتمد التفسير،و التاويل ،والتفكيك للرمزية العالية التي تكتظ بها نصوص « محمد الحافظ « وذروة ذلك في الوصايا العشر من وصايا الموت ص101 التي حقق فيها ذاته المؤمنة بالمحبة –السلام- الصدق- رفض العنف وصايا التاريخ من النبي موسى (ع) الى نبينا العظيم محمد (ص) تتماهى وتتساوق وتتناص مع مقولات الحق الوصية الاولى.
حذارِ من ان تسلب
الفقراء ضحكاتهم
تلك التي يطلقونها
على ارصفة الجوع
الوصية الثانية
لاتمش مختلا فخورا
فرائحة الدم اقوى
من الرصاص
من وصايا الموت

صباح محسن كاظم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.