عندما تكون الدعوة لـ»التمرد» ايماءاً قراءة في قصيدة «قالَ اهبطوا مصر..» للشاعر وليد حسين

محمود الهاشمي

القصيدة
قالَ اهْبِطُوا مِصْر
لا تُلقِها مَهْلاً لِتَلْقفَ سِحْرَهُم
ولأفْكِهِم أفْعَى تَخرُّ سُجُودا
فالنَفْثُ فيها لن يَدُسَّ بشارةً
والسَمُّ سالَ وما رأيتَ حُشُوْدا
لو قلتَ بِسْم الله دون شِكَايةٍ
لمّا بَدَتْ تلك العِصِيُّ جُنُودا
لارتَدَّ طَرْفُكَ حَاسراً لايبتغي
إلّا التجرّدَ حَسْبُك التَهْوِيدا
ضَربٌ من الطَوْرِ الأثيمِ يَسُوْمَنا
وَقَدِ انْتَهَيتُ اليكَ دوْنَك طُوْدا
ولإنْ رَجَعتَ أصُوغُ من شطْحاتِهِ
حُلْما تَلاشى في يديك شُرُودا
يا صاحِ أمضِ الوقتَ دون مَطِيّةٍ
أني رقيتُ بما انْتَشَيتَ حَسُودا
حتى كأنّ الله مَحْضُ إرادةٍ
مُتفرّداً لا لن يضيقَ حُدُودا
إيهٍ عصاك ألستَ أوّلَ ساحرٍ
ولقد فَلَحْتَ بما وَضَعتَ بنودا
ما كان تحريمُ المراضعِ جُنحَةً
أنّى حَللْتَ أصابَ منك سُعُودا
يَنْسابُ ذاك الصوتُ بين مَسَامعٍ
صماءَ قد سَاقتَ اليك شُهُودا
ولأمِّ موسى .. زوجِ فرعونَ التي
فاضتْ بها الرؤيا تشدُّ وليدا
حَدْسٌ تولّى الغيبَ دون إنابةٍ
وكما أزاحَ القيدُ عنك سُدُودا
ما غابَ موسى عن فؤادِك رَاغِباً
حتّى رَبَطْنا .. لن يكونَ بَعِيدا
ولئن كَبِرتَ بكِنْفِ أكرمِ دوحةٍ
عفراءَ شادَتْ قد شَممْتَ صَعِيدا
وَخَرجتَ منها خائفاً مُتَرقّباً
يغويك فظٌّ مُذ عَدَوتَ طَرِيدا
أرْضٌ .. إذا سُدّتْ عليك منافذٌ
قال اهْبِطُوا مِصْراً.. حَرَزْتَ مَزِيدا
وأنا كِنانيٌّ ألوذُ بهامةٍ
خَصْراءَ أمْطرتِ البوارقَ جُودا
أيُّ انبعاثٍ سَادَ مُنذ ولادةٍ
أوْدَعتُ في تلك الضفافِ جُدُودا
وبها خزائنُ لو دُعِيتَ لمثلِها
تالله.. ما أبقتْ عليك حَصِيدا
بيضاءُ ما يَبُستْ لِتَخْرجَ أهلَها
قد كان وعداً .. كي تَفيضَ وجودا
مهما عَفَونا عن نَسِيبٍ طَالَنا
وَنَكالُنَا أمرٌ .. يَهزُّ قُعُودا
إنّا بَذَلْنا الزادَ حتّى أُتْخِمتْ
تلك الجياعُ وما عَدتْك شَهِيدا
وَخِصالُهم يوم اللقاءِ قدِ اِصْطَلتْ
فإلى المآثِرِ خلّفتْك عَمِيدا
تمتاز قصيدة وليد حسين عن سواه من شعراء جيله، انه لا يستطرد كثيرا، في ملاحقة المعاني حد الاستهلاك، يقطف من حدائقها باقة، تغنيك عن سلال من الورد.
والمطالع لقصائده سرعان ما يكتشف ذلك وهو يرى ان اغلبها لا تتجاوز الأربعين بيتا، فيما اوفت حاجتها والهدف الذي من أجله كتبت.
كما يسجل لصالح وليد حسين انه لا يميل الى تقليد تجربة بعينها بل هو جزء من مشروع جيل التسعينيات الذي ينشغل بالصورة الشعرية وكأنها هدف بعينه. ومما لا شك فيه ان «الصورة الشعرية» هي قوام البنية العميقة لأي عمل أدبي ولا سيما الشعر منه، فمجمل أجناس الخطاب الأدبي تشترك في مبدأ «التصويرية، ولكنها تختلف فيما بينها في استعمال الصورة كما وكيفا».
لذا حين نحيل اي قصيدة له للنقد يجب ان نضعه في هذا التصنيف.
القصيدة التي بين أيدينا (قال اهبطوا مصرا)، توفرت بها بعض شروط قصيدة شعراء التسعينيات حيث لاحق الصورة الشعرية منذ البداية (لا تلقها مهلا لتلقفَ سحرهم/ ولافكهم أفعى تخرّ سجودا) وحتى آخر بيت، حيث رسم مشهد نبي الله موسى (ع) وهو في لحظة إلقاء عصاه أمام سحرة فرعون، وكيف تلقف إفكهم الأفعى، وبدلا من ان يخر السحرة ساجدين لهول ما شهدوه خرت الأفعى ساجدة لأمر مولاها موسى (ع). هذا الابدال أخرج المشهد القرآني من نصه العام ليدخله مشهده الخاص دون أن يخدش جمال الصورة وهيبة الموقف.
تستمر القصيدة حتى آخر بيت فيها في عوالم قرآنية وكلمات لاتخرج عن قصة موسى وفرعون وهو يسمع نداء ربه (القّ عصاك يا موسى انه لا يخاف لديّ المرسلون)، فهذه اللحظة التي تم فيها ابتلاع إفك السحرة انعكاس للواقع النفسي الذي يعيشه الشاعر وهو يرى بلده تتناهبه السراق ويصنّف الثاني عالميا من حيث الفساد الاداري والمالي، فالانزياح الى التأريخ واستحضار الموروث الديني يمثل موقفا من الحياة ،وليس تمثلا لنبي او رسول فقط.
قال المتنبي:
انا في أمة تداركها الله
غريب كصالح في ثمود
ما مقامي بأرض نخلة الا
كمقام المسيح بين اليهود
وقال السياب (وانا المسيح يجر للمنفى صليبه).
ان عصا موسى (ع) بالنسبة للشاعر الثورة التي سوف تنطلق ثم تلقف إفك الفاسدين الذين اعتقدوا أنهم امتلكوا سحر المال وسطوة الملك.
واستخدام الايماء في القصيدة ـ برغم توفر فسحة الحرية في التعبير ـ لا تعد خللا, فالإيماء بالصورة الشعرية من ابرز خصائص الشعر المعاصر بوصفها فعالية لغوية تخرج اللغة من بعدها الإنشائي إلى بعد مجازي تصوري او رمزي، كونها علاقة لغوية متولدة والشعر الذي يعتمد الصور هو فعل نفاذ وفعل إضاءة بجوهر الوجود والصور بهذا المعنى رؤية فكرية وعاطفية في لحظة من الزمن. ولعل هذا ما يرشحها لتكون من أخطر أدوات الشاعر بلا منازع.الجميل في هذه القصيدة انها كتبت تحت مناخ شعري واحد ولم تغادر أجواءها حتى النهاية، فالبيت الاول يشبه تماما البيت الأخير لغة ومعنى.
ما أغنى القصيدة هو ثراء النصوص القرآنية بدءا من العنوان (قال اهبطوا مصر)، ثم ليس هنالك من بيت إلاّ وقرينته أية قرآنية من لحظة وقوف نبي الله موسى وسط حشد السحرة وهم يعرضون أشكال سحرهم الى إلقاء ام موسى ولدها في البحر الخ, وهذا التناص لم يأت عند وليد بهيأة نص كامل, سوى العنوان فقط، أما بقية الابيات فانه اكتفى بالكلمة القرآنية دون النص وهي مهارة عالية, ففي البيت الاول استخدم سبع كلمات قرآنية، ومن قصة موسى (ع) فقط دون أن يعتمد نصا كاملا {لا تُلقِها مَهْلاً لِتَلْقفَ سِحْرَهُم، ولإفْكِهِم أفْعَى تَخرُّ سُجُودا}، فكلمات {تلقف، سحر، افكهم، أفعى، تخر، سجودا}، وأغلبها مستوحى من هذه الايات {حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}.
في ذات الوقت فان الشاعر حافظ على تداعي الأبيات متسلسلة مع روح القصة حتى النهاية قابضا على التفاصيل وجوهر الاختصار ايضا.
وبالقدر الذي استطاع فيه الشاعر ان يوظف الآيات والقصص لصالح قصيدته فانه خلق اجواءا من التداخل بين المرحلة الفرعونية وبين دخول العرب من (كنانة) الى مصر بعد تحريرها:
ارض اذا سدت عليك منافذ
قال اهبطوا مصرا حررت مزيدا
وانا كناني ألوذ بهامة
خضراء أمطرت البواري جودا
وهذا التداخل والايحاء محاولة لتوظيف التأريخ والتحول الذي يحدث في تأريخ الشعوب , فمصر بدأت من حيث حضارة الفراعنة وسمت رفعة في دخول الاسلام, والفضل فيها لكنانة التي تكلفت بهذه المهمة, وما زال النيل حاضرا في الامة وأمجادها.
ما يؤخذ على جيل التسعينيات الشعري هو تمترسهم في عوالمهم الخاصة ولا ياذنون لناقد حصيف ان يدخل تجربتهم الشعرية, فهم يكتبون ويقرؤون وينقدون ويهتفون لبعضهم وكأنهم أكتفوا بذلك وانتهى, وهذا الامر غير صحيح فافضل التجارب الشعرية هي التي يلد نقادها معها, يقومونها ويهذبونها, ويكتشفون مناطق الابداع فيها, فهم { جيل التسعينيات} يعتقدون أن القصيدة مجموعة صور شعرية تفصح عن قيمتها الشعرية بقدر تحقيق ذلك الهدف, والحق هذا ما جعلهم يرصدون للمعنى الواحد ابياتا عديدة, فتنتهي من قصائدهم وأنت خال الوفاض الاّ بالقليل من المعاني, فالقصيدة لديهم صورة فنية ومعنى بسيط والقاء مسرحي متميز.
وبرغم أن وليد حسين يحاول أن يفلت من دوائرهم هذه الاّ انه لايستطيع أن يحلق كثيرا, بسبب سيطرة هذا النوع من الشعر على المرحلة, وخضوع أكثر المؤسسات الثقافية المعنية بالشعر لادارة الشعراء المؤمنين بهذه التجربة. فالقصيدة ليست مجرد صورة شعرية, بل هي رسالة تحمل أهدافا متنوعة والصورة الشعرية تأتي لتخدم المعاني المكتنزة في داخلها, فمثلا عندما يورد المتنبي البيتين الاتيين:
وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شكٌّ لوَاقِفٍ
كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُ
تَمُرّ بكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزيمَةً
وَوَجْهُكَ وَضّاحٌ وَثَغْرُكَ باسِمُ
لم يوردها الاّ حين احتاج اليها النص في الايضاح والتصوير, وبعد أن سبقها أكثر من عشرين بيتا, ولم يبق في حدود هذه الصورة بل أنتقل الى مشهد آخر لاكمال {قصة القصيدة } أو ما تسمى البنية الشعرية للقصيدة.
وأظن أن واحدة من اسباب تبنيهم هذا الضرب من الشعر هو أنهم عاشوا تجربة حربين قاسيتين, وحصار ظالم وحكومات قاسية جعلتهم يفرون بقصائدهم عن الواقع المرير الى دنيا الصورة الشعرية المعمدة بالخيال.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.