مشكلة البطالة بين الشعارات الانتخابية والواقع

مقداد محمد فليح
يتسابق المرشحون للانتخابات القادمة على رفع شعارات انتخابية رنانة بهدف لفت الأنظار لهم تارةً أو دغدغة مشاعر المواطنين تارةً أخرى، وقد يكون بعضها لغرض الدعايات الانتخابية الفارغة من دون أن تستند وعودهم على أسس واقعية، وأود ان أكتب عن أحد أهم الشعارات الانتخابية المرفوعة بشكل كبير هذه المرة وهو شعار توفير التعيينات للعاطلين عن العمل، ففي الوقت الذي يجهل أغلب المرشحين حجم المشكلة بشكلها الواقعي يتجه بعضهم الى رفع وعود انتخابية بتوفير درجات وظيفية للتعيين في دوائر الدولة ومؤسساتها ولا يعلمون حجم الترهل الوظيفي المستشري في الدولة بشكل عام، فدوائر الدولة أصبحت مليئة بالموظفين وهي غير قادرة على سد رواتبهم لذلك تلجأ تلك الدوائر الى سد النقص من خلال الاعانات المالية التي تستلمها من وزارة المالية أما المؤسسات الحكومية الممولة من الموازنة العامة للدولة فهي من الأساس تستلم تمويلاتها عن الرواتب والنفقات التشغيلية من وزارة المالية، علاوةً على ذلك فأن المشاريع الاستثمارية تمول من الموازنة وتتحمّل الموازنة تكاليفها لغاية وصولها الى التشغيل الكامل، وإذا ما نظرنا الى موازنات السنوات السابقة سنجد ان أغلب تخصيصات الموازنة هي عبارة عن نفقات تشغيلية وأغلب تلك النفقات هي الرواتب الممنوحة الى موظفي الدولة ومخصصاتهم أما الجزء الأقل منها فهو عبارة عن مشاريع استثمارية جزء كبير منها هي مشاريع لبناء وتهيئة وتشغيل البنى التحتية لدوائر الدولة نفسها أخذت الموازنة على عاتقها مهمة تمويل تلك المشاريع على ان تساهم تلك المشاريع بعد إنشائها على تحسين وتعزيز الانتاج الحكومي ايً كان نوعه، وبالعودة الى مشاكل وصعوبات الموازنة العامة للدولة نجد ان النفقات التشغيلية والرواتب تحتل الجزء الأكبر منها الأمر الذي دعا المؤسسات الدولية المهتمة بالقطاع الاقتصادي تولي اهتماماً كبيراً بهذه القضية ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذان يصرون وباستمرار على ضرورة إيجاد آليات ووسائل تمكن الدولة والحكومة من التخلص من الترهل الوظيفي بشكل سليم دون ان يترتب ذلك على التأثير على معيشة المواطنين، وفِي خضم جميع تلك المشاكل والصعوبات تبرز مشكلة البطالة وما يرافقها من تداعيات كبيرة قد تؤدي الى نتائج خطيرة فيما لو تم اهمالها دون إيجاد حلول سريعة، فالجامعات العراقية والمعاهد والكليات الأهلية تخرج سنويا آلاف الخريجين ومسألة توفير فرص عمل لهم هي مسألة حتمية مفروضة على الدولة وتشكل ضاغطاً اجتماعيا وسياسياً، أما الإعلان عن توفير تعيينات لهم ما هي إلا دعايات انتخابية من أشخاص لا يمتلكون رؤية واقعية لحجم المشكلة. ان الدول المتقدمة اقتصادياً يجب ان تمتلك رؤية موضوعية بعيدة عن «البروغباندا» وان لا توهم شعبها بحلول آنية تؤثر تأثيراً سلبياً على الأجيال القادمة، وما يقال من توفير تعيينات للخريجين ما هو إلا دعايات استهلاكية للشعارات الانتخابية دون ان تترافق مع رؤية شاملة للوضع الاقتصادي في العراق. ان حل مشكلة البطالة يرتبط بحل المشاكل الاقتصادية الكثيرة والتي يرتبط بعضها بالبعض الاخر بشكل كبير، ومن تلك الحلول هي تخفيض سيطرة الدولة على القطاع الاقتصادي ومنح القطاع الخاص فرصة قيادة الاقتصاد عبر آليات وخطط استثمارية واضحة وقوانين وتشريعات ولوائح تحفظ حق الدولة وحقوق المواطنين لمنع تلك الشركات من الإثراء غير المشروع وغسل الأموال بطريقة أو بأخرى، كما يمكن للدولة دعم المشاريع الصغيرة والمهن الحرة ليتمكن المواطنون من فتح مشاريع صغيرة تمكنهم من ان يحصلوا على مصدر عيش كريم من دون اللجوء الى الدولة لتوفير وظائف قد لا تناسب طموحاتهم بالتالي سيتم تحويل هؤلاء الأفراد من أشخاص عاطلين عن العمل الى أفراد منتجين يساهمون مساهمة فاعلة في الناتج المحلي، كما ينبغي حماية المنتج المحلي من خلال قوانين الضريبة ورفع التعرفة الكمركية على البضائع المستوردة بالتالي ارتفاع أثمانها مقارنة بالمنتج المحلي الامر الذي سيدعو اصحاب المعامل والمصانع الاهلية الى فتح أعمالهم لإنتاج منتجات تنافس المستورد وهذا الأمر بالتأكيد سيؤدي الى توفير فرص عمل للعاطلين فضلاً عّن تنشيط السوق المحلي من خلال تدفق الأموال وتحريكها بالتالي تنشيط حركة البضائع بين أسواق الجملة والتجزئة بالتالي توفير فرص عمل اخرى للعمال والحمالين وبائعي المفرد. فضلاً عن كل ما سبق فان إصلاح النظام المصرفي هو الاخر سيساهم مساهمة فعالة في تحسين الاقتصاد ومنع تهريب العملة الصعبة الى خارج العراق، فالمصارف العراقية تعتمد ايراداتها وأرباحها بشكل كبير على مزاد العملة، وهذا الامر يدعو للقلق ، اذ ينبغي ان يعود النشاط المصرفي الى طبيعته بحيث يعتمد نشاطه على الائتمان والتمويل للمشاريع اي كان نوعها مقابل ضمانات محددة وتشجيع المواطنين على اخراج اموالهم من الادخار الى التداول من خلال رفع نسبة الفائدة وتوفير ضمانات معقولة لأصحاب رؤوس الأموال لاستثمار أموالهم. كما إن سوق الأوراق المالية هو الآخر بحاجة الى ثورة معلوماتية وإعلامية ومالية ليتمكن من تفعيل دوره في تشجيع الاستثمار وتوفير نظام معلومات قادر على توفير جميع المعلومات والخيارات اللازمة للمستثمرين الحاليين والمترقبين وأن تتسم المعلومات والبيانات المقدمة من سوق الأوراق المالية بالملائمة لمستخدميها من ادارات ومستثمرين ودائنين وغيرها وموثوقية بحيث تكون صادقة وخالية من التحيّز وان تكون في التوقيت المناسب. ان الشعارات الانتخابية هي وعود ينبغي على المرشح ان يمتلك القدرة والمعرفة على تنفيذها وليست مجرد كلام مستهلك يقوله اليوم وينساه بعد حين، يكفي ما مر علينا من تجارب قاسية ومؤلمة، ولنبدأ بتحليل الشعارات والوعود وفهمها بدلاً من أخذها كما هي من دون فحص أو تمحيص ولنا عــودة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.