الآثار الإقليمية المترتبة على انسحاب القوات الأمريكية من الأراضي السورية

تفاجأ العديد من السياسيين في المنطقة والعالم أجمع بالقرار الأخير الذي أعلنه الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، بانسحاب القوات الأمريكية من مناطق شرق سوريا، وهنا يرى الكثير من المراقبين الإقليميين أن الحكومة الأمريكية ممثلة بالرئيس «ترامب»، تعيش حالة من الغموض والفوضى ولا تمتلك أي برامج واضحة حيال سياساتها في منطقة الشرق الأوسط، وهذا الأمر يظهر جلياً في قرارها الأخير عندما أعلنت بأنها ستقوم بسحب جميع قواتها العسكرية من سوريا خلال الأسابيع القليلة القادمة.هذا القرار تبعته الضربات الصاروخية التي شنّتها القوات الأمريكية والفرنسية والبريطانية في 14 نيسان الماضي على بعض مواقع الجيش السوري في مدينتي دمشق وحمص وهذه الهجمات تؤكد أن حكومة أمريكا لا تزال مصممة على الإطاحة بالرئيس السوري «بشار الأسد» من هيكل السلطة السوري وسوف تلجأ إلى استخدام القوة والعنف من أجل تحقيق هدفها هذا ومن هذا المنظور، فإن خطة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا لا تعني في الأساس التخلي والابتعاد عن التطورات الميدانية السورية ولكنها خطة واستراتيجية جديدة تبناها الرئيس «ترامب» من أجل تحقيق أهداف حكومته في سوريا ووفقاً لهذه الاستراتيجية وهذه الخطة الجديدة، فإن الحكومة الأمريكية ستواصل شنّ غاراتها الجوية ضد مواقع الحكومة السورية، وعلى الأرض سوف تتعاون مع حلفائها العرب وبعض المليشيات المعارضة، للقيام بالكثير من العمليات العسكرية ضد نظام «الأسد».وعلى نفس هذا المنوال، أعلن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، أنه سيصدر قراراً بانسحاب القوات الأمريكية المتمركزة شرق سوريا، وسيعيد 2000 جندي أمريكي إلى أمريكا في القريب العاجل، ومع ذلك، فإن فريق الرئيس «ترامب» الاستشاري في «البنتاغون»، يعتقدون بأنه من الصعوبة بمكان استبدال القوات الأمريكية بقوات بعض الحكومات العربية، نظراً للطبيعة المضلّلة للأزمة في سوريا ووجود العديد من التيارات والتنظيمات الإرهابية في هذا البلد، ويرون بأنه من المرجّح أن يؤدي هذا الانسحاب إلى تفاقم التنافس بين معظم القوى الإقليمية في سوريا ومن ناحية أخرى، يشير العديد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، إلى التطورات الميدانية التي حدثت في العراق بعد عام 2011 وانتشار التنظيمات الإرهابية كتنظيم «داعش» الإرهابي في هذا البلد، عندما قامت الحكومة الأمريكية بالانسحاب الفوري من مناطق عراقية كثيرة، وفي وقتنا الحاضر، يُذكر أن تنظيم «داعش» الإرهابي قد استقر في وادٍ في صحاري شرق سوريا وينتظر الفرصة للانقضاض على المناطق السورية، وتؤكد العديد من التقارير أن هذا التنظيم الإرهابي الذي يمتلك 2500 مقاتل، يمثلون خطراً جديّاً على العراق وسوريا.لقد كان ردّ الرئيس الأمريكي «ترامب» وكبير مستشاريه «جون بولتون» على هذه القضية هو، أن الوجود المستمر للقوات الأمريكية في سوريا زاد من نفقات حكومة أمريكا العسكرية ووفقاً لبعض التقارير التي تم نشرها في الآونة الأخيرة، فلقد أنفقت أمريكا حوالي 7 مليارات دولار في الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية والنقطة التالية هي أنه، في ضوء وجود القوى الإقليمية، فإنه من الممكن الاستعانة بهذه القوى لمواجهة التيارات والتنظيمات التكفيرية وبالنيابة عن أمريكا، يمكن لتلك القوى أيضاً حماية المصالح الجيوسياسية لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط وبهذا كله، فإن الرئيس «ترامب» يحاول حالياً استبدال القوات الأمريكية في سوريا بقوات عربية تقودها السعودية ومصر.وحول هذا السياق، أعلن وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير» بأن الحكومة السعودية بدأت مناقشة دخول جنودها ونشرهم في سوريا منذ بداية الأزمة في هذا البلد ولا تزال مستعدة للقيام بذلك ويُذكر أن الحكومة الأمريكية في ذلك الوقت، كانت تعارض إرسال أي قوة عسكرية إلى سوريا بسبب تجربة «حرب العراق» ولم تكن راغبة في المخاطرة وقبول الهزيمة في منطقة الشرق الأوسط.وفي سياق متصل أعرب الجنرال «جوزيف دانفورد» رئيس هيأة الأركان المشتركة الأمريكية وقائد القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، في اجتماع مع لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي، قائلاً: « لقد تعلمنا من التجربة أن القوات العراقية ليس لديها القدرة الكافية لتوفير الأمن الداخلي والتعامل مع التهديدات الخارجية وهذا الضعف وفّر البيئة المناسبة لظهور التنظيمات الإرهابية مرة أخرى في هذا البلد».وفي سياق آخر، يقوم البنتاغون في وقتنا الحالي بالتشاور مع حلفاء آخرين لمواصلة الضربات الجوية وتجهيز قوات محلية لمواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي وبالتالي وعلى الرغم من الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من شرق سوريا، إلا أن الضربات ستستمر ضد هذا التنظيم الإرهابي من الجو والأرض.وفي وقتنا الحالي، يقوم الجيش التركي بتنفيذ هجوم على مدينة «منبج» السورية ومما لا شك فيه، أن وجود القوات التركية في المدينة سيزيد بشكل كبير الصراعات والاشتباكات المسلحة في المنطقة الكردية وبالتالي، فإن هناك قلقاً كبيراً في الأوساط السياسية الأمريكية، من أنه في حالة تزايد الأعمال العدائية بين الأكراد والجيش التركي، فإن مصداقيتهم وهويتهم ستختفي وتتلاشى تدريجياً بين التيارات والأحزاب الكردية وبهذا كله، فإن العمل على تغيير مسار الأحداث الميدانية في سوريا، يُعدّ نوعاً من لعبة مزدوجة بالنسبة لأمريكا وحتى لو استمرت هذه القوات الأمريكية في وجودها داخل سوريا، فإن تلك اللعبة لن يكون في مقدورها الحيلولة دون فشل استراتيجيات الحكومة الأمريكية تلك في منطقة الشرق الأوسط.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.