المقامة النيسانية

أمين صباح كبة

لملم الشتاء ثوبه وطواه، ونفّض الربيع رداءه وارتداه، وحام الطير وغنّى، واخضوضر العشب وتغنّى، وهجم الوردُ بشوكته وتفتّح، وتضوّع الروض بطيبه ونفح، ورفرف النسيم بأجنحته ومضى، ومرِح السحابُ فروّى، وشعشع ضياء البيضاء وتفتل، ورشرش نوره وتسلل، وهرب جيش الظلماء وفر، وتنفس الصبح وأسفر، وهدرت مياه الغدران، وتغنى البلبل الفتّان، ورتّل الكل بإمعان، أنشودة لحضرة نيسان. فلما شرّفنا بحضوره، وأصاب أعيننا بشظايا نوره، راقبته عن كثب، وأجريت بالعتب؛ وقلت: يا حلة الشهور، ويا بدر البدور؛ يا من تصير الدنيا بحضرته عروسا، يا من أحيا بهوائه نفوسا؛ لي حبيبٌ قد حكم وساد، قيّدتُ ذكراه بالسلاسل والأصفاد، وأخفيته عن العباد، لأحميه من أنظار الحساد، ناجيته مناجاة عابد قوّام، ورممّت بذكره الآطام؛ فهجرني وجفا، فخبا وهج شعري وانطفى؛ يسكر بلحظه من يراه، ويبدع في تعذيب من اصطفاه.
يعذّب من يشاء بمقلتيه
إذا رنتا ويفعل ما يشاءُ
فأجابني نيسان وقد رقّ لحالي:
يا من تقرّب واكتوى، أعلم أن آفة الألبابِ الهوى؛ وإن هوى كل نفسٍ حيث حبيبها؛ فلا تنشغل عن الدنيا بنسيبها؛ وانشغل عنها بصراخ مدينتكَ ونحيبها، واذكر من قضى من شهدائها، واهجُ ما شئت من أنجاسها، ولا تصفّق لقساوستها وسرّاقها، فكم سالت في أيامي من دماء، وكم نهبت أرضكم من غرباء. ولما سكت وانصت؛ ضرب الرعد بطبوله، وسلك سنا البرق السماء بذيوله، فانهمر سيل المطر، وتبلل الروض وكبّر. وقال: مطرة نيسان جواهر ما لها أثمان، وخير وصحة للإنسان؛ وردد الهواء دندنة لأهزوجة نيسان: (عيوني عيون الغزلان). ولما ركد صوتها في مسمعي واستقر، وسأل نيسان عن مصدره واستفسر قلت: هذه إيلاف؛ ولما عرف وتحيّر هتفت: سلامٌ على ضحكات الملاك، وعلى اللحظ الفتّاك، آسر سكان الأفلاك.
سلاٌم على براءة الأطفال، بعطر قداح البرتقال. سلامٌ على سِحر الكلام، من أفواه الكرام.
سلامٌ على لطيفة المعشر بعبق المسك والعنبر. وأنشدت:
غاب حبيبي طويلا
عذّب قلبي ومرمر
صرت أناجيه ليلا
عساه بالطيف يحضر.
فقهقه من قولي وتبسّم، واختفى وفي قلبي نارٌ تضرم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.