قراءة في رواية «المركيزة» للكاتبة الفرنسية جورج صاند

أمين الحرشاني/ تونس

في كثير من الأحيان لا تكون شخصيات الرواية سوى إنعكاس لشخص الكاتب أو لجانب من جوانبه، كما هو الحال بالنسبة لشخصية المركيزة دي ر. والتي تحاكي في إرتدائها ثياب الرجال وتجولها في الأزقة ليلاً وإرتيادها للمقاهي الوضيعة، طباع الكاتبة جورج صاند واسمها الحقيقي أرماندين لوسيل أورور دوبان.بالنسبة لأحداث الرواية فإنها تدور في مجتمع «فرنسا ما قبل الثورة» الطبقي وما يسوده من اكراهات اجتماعية، فمأساة المجتمع الطبقي لا تتوقف عند طبقات المجتمع الدنيا بل تتسرب بدورها إلى الطبقة الارستقراطية. أين يتلصص الجميع على الجميع باحثين عن أدنى همس أو إشارة حتى يكيل لصاحبها أبشع التهم و يحكم عليه بأقصى الأحكام الإجتماعية وهو ما تلخصه الكونتيسة دي فريير عندما عبرت لها المركيزة عن إعجابها بالممثل المسرحي لوليو الإيطالي «إياك أن تتحدثي بمثل هذه الحرارة إلى إنسان سواي، لأنك سوف تصبحين محط قدح وذم وحشيين.. ان ممثلا لا يمكن يكون أبدا إنسانا حقا في عين إمرأة نبيلة الأصل».
قد تكون القيود الإجتماعية سهلة التجاوز لو أن طرفي العلاقة أرادا ذلك، لكن الطبقية قد نجحت في التسرب إلى بواطن الذات حتى صارت المركيزة تعيش ثنائية الإنتقاد الاجتماعي و التردد والانفصال الداخلي.
عموماً تندرج هذه الرواية كغيرها من مؤلفات جورج صاند ضمن تيار الرومنطيقية السائد في الأدب الفرنسي خلال القرن التاسع عشر، إلا أن المميز لأعمال صاند وخاصة هذا العمل هو تلك الروح النسوية المندفعة و التائقة نحو الحرية و التحرر.لقد كان اختيار مجتمع ما قبل ثورة 1789 مسرحا لأحداث الرواية تعبيرا صريحا من طرف صاند عن الفشل الذريع للثورة و ما تلاها من تحقيق المساواة بين الجنسين في فرنسا ولعل أبرز إيحاء بهذا الإقرار هو اخر جملة في الرواية والتي وردت على لسان المركيزة:
«حسنا، أفلست تؤمن الآن بمثالية القرن الثامن عشر»؟ختاماً نحن لا نطالع اليوم أعمال صاند حتى نطلع على قصص الحب الساحرة بقدر ما نبحث نقاوة اللحظة الأولى للأدب النسوي… وتحقيقا لما استشرفه الفيلسوف ارنست رينان بأن روائعها ستقرأ «حتى بعد ثلاثة قرون».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.