جولة الوزير بومبيو جاءت لتوزيع الأدوار استعداداً للمواجهة مع ايران

اقتصار الشق «الشرق اوسطي» لجولة جورج بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، الأولى بعد تصديق الكونغرس على ثلاث دول هي المملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن، يعني انها ستكون محور الارتكاز الرئيس في الخطة الامريكية التي سيتم تطبيقها بعد انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني في 12 أيار الحالي. الوزير بومبيو القادم الى الوزارة عبر سلم وكالة المخابرات المركزية، سيجد نفسه وسط أصدقائه في الدول الثلاث، ولن يحتاج الى الكثير من الجهد لحشدها ضد الجمهورية الاسلامية ، وانخراطها في العقوبات التي سيتم فرضها أمريكيا عليها،عبد الباري عطوان
وتشديد الرقابة على برامجها النووية ومحاولة إيقاف تطويرها لصواريخ نووية، والتصدي لنفوذها المتمدد في المنطقة، ودعم اذرعة عسكرية، فهذه الدول الثلاث أو اثنتان منها على الأقل، أي السعودية واسرائيل، تقرع طبول الحرب، وتستعجل ضربة عسكرية أمريكية ضد الجمهورية وحلفائها في المنطقة. في مؤتمره الصحافي الذي عقده في الرياض بعد ختام مباحثاته مع نظيره السعودي عادل الجبير، قرأ الوزير بومبيو لائحة الاتهام الأمريكي ضد ايران، وأبرز بنودها زعزعة استقرار المنطقة، ودعم الميليشيات والجماعات الإرهابية، وتسليح «المتمردين» الحوثيين في اليمن، ونظام الرئيس بشار الأسد في سورية، وممارسة اعمال قرصنة إرهابية، وهذه اللائحة، القديمة المتجددة قد تكون المبرر لأي حرب مقبلة، بل متوقعة في أية لحظة ضدها. كان لافتا ان وزير الخارجية الأمريكي لم يدرج مصر على لائحة الدول التي يزورها حاليا، ربما لأنه يدرك جيدا انها تتحفظ ولا تريد التورط في المخطط الأمريكي في سوريا، وإرسال قوات تكون مهمتها اقامة كيانات مستقلة في شمال شرق سورية (كردية وعشائرية سنية) وأخرى في جنوبها تضم درعا والسويداء والقنيطرة، تكون حزاما حاجزا لتأمين الحدود مع فلسطين المحتلة، وحماية دولة الاحتلال في اطار خطط التقسيم الامريكية على أسس عرقية وطائفية. ادراج الأردن على جدول اعمال هذه الجولة، وجعلها المحطة الأخيرة فيها، جاء متعمدا، وخطوة مدروسة، تحدد طبيعة الدور الاردني المقترح في قضيتين أساسيتين، الأولى تتعلق بالملف السوري، والثانية تتعلق بالملف الفلسطيني، ولا يمكن تناول الملف الأخير في عمان دون الاستماع الى وجهة النظر الإسرائيلية، خاصة ان الأراضي الفلسطينية المحتلة مقبلة على زلزال يتمثل في افتتاح السفارة الامريكية في القدس المحتلة في 15 أيار الحالي، وان السلطة الفلسطينية ترفض أي اتصالات مع الإدارة الامريكية احتجاجا على قرار نقل السفارة. توريط الأردن، الذي استضاف قبل أسبوعين، مناورات الأسد المتأهب التي تشارك فيها 18 دولة بزعامة أمريكا وأجريت قرب الحدود الأردنية السورية، في مصيدة ارسال «قوات خاصة» الى شمال شرق وجنوب سورية سيكون محور محادثات الوزير الأمريكي مع مضيفيه الأردنيين، لان الإدارة الامريكية تدرك جيدا الكفاءة العالية لهذه القوات في أي حرب مقبلة للتصدي للقوات السورية وحلفائها الإيرانيين وربما القوات التركية أيضا. السلطات الأردنية، على عكس نظيراتها السعودية والقطرية التي رحبت بإرسال قوات الى سورية تلبية للطلب الأمريكي، تلتزم الصمت، ولم تؤيد أو تعارض حتى الآن على الأقل، لأنها تدرك جيدا خطورة قرار الموافقة أو الرفض، فالموافقة تعني ارسال قوات تشارك في اعمال قتالية طابعها حرب العصابات الطائفية، وفي مواجهة تنظيمات مسلحة جيدة التدريب، وتنطلق من عقيدة أيديولوجية راسخة، أما الرفض، فيعني خلافا مع أمريكا وحلفائها الخليجيين، قد تكون أبرز تبعاته وقف المساعدات المالية في ظرف اقتصادي صعب. لا نستبعد ان تحتل الازمة الخليجية حيّزا في مباحثات الوزير الأمريكي الزائر في السعودية، الدولة التي تتزعم التحالف الرباعي المعارض لدولة قطر، ولكنه سيكون حيزا هامشيا، لان الحماس الأمريكي لحل الازمة قد فتر، وهناك توجه لاحتوائها، طالما ان جميع أطرافها، متفقة مع المشروع الأمريكي في مواجهة ايران، ومستعدة للقبول بتنفيذ الأدوار المرسومة لها، وخاصة السلطات القطرية التي سارعت بتأييد العدوان الثلاثي الأمريكي على سورية، وباتت اقرب الى وجهة النظر الامريكية من نظيرتها الإيرانية. فرص المخططات الامريكية لتقسيم سورية في النجاح تبدو محدودة، ولكنها ستكون محفوفة بالمخاطر، وربما سفك المزيد من الدماء، دماء القوات العربية المشاركة فيها على الاكثر، لان دولها لم تتعود على الحروب، وعودة جثامين القتلى الملفوفة بالأكفان البلاستيكية السود بأعداد كبيرة، خاصة ان هذه المهمات، أي القتال الى جانب قوات أمريكية، ولتقسيم دولة عربية، تفتقر الى المنطق، وتتعارض مع القيم العربية والإسلامية، ولهذا لا تحظى بتأييد شعبي كبير بالتالي. لن نفاجأ اذا ما عاد الوزير بومبيو الى رئيسه الأمريكي محملا بوعود عربية بدعم مشروع معاداة ايران، والمشاركة في أي حرب باردة أو ساخنة ضدها وحلفائها، ورصد المليارات المطلوبة لتغطية نفقات القوات الامريكية التي ستبقى في سورية، لكن ما سيفاجئنا حتما، هو سقوط دول عربية في هذه المصيدة الدموية الامريكية الجديدة، ودون ان تستفيد من تجربة سبع سنوات من الفشل في هذا البلد المنكوب، أي سورية، وحرب استنزاف دموية لا تقل خطورة عن تلك المتأججة حاليا في اليمن، ودخلت عامها الرابع قبل شهرين. كنا نتمنى ان نوجه نصائح مجانية الى الدول العربية التي تستعد لشحن قواتها الى شمال شرق سورية، للإحلال محل القوات الامريكية أو القتال تحت قيادتها ضد الاشقاء السوريين والعراقيين وداعميهم الروس، ولكننا نعلم جيدا انهم لن يستمعوا الينا، وغيرنا، مثلما فعلوا عندما حذرناهم من التورط في حرب اليمن، والانخراط في التطبيع مع الاسرائيليين، فإملاءات ترامب وسياساته الابتزازية، أقوى بكثير من أي نصائح عربية أو إسلامية نقولها بمرارة للأسف. نجد لزاما علينا ان نبصّر الاشقاء في الأردن، الذين نعرفهم ويعرفوننا جيدا، بمخاطر أي انجرار مع المطالب الامريكية بإرسال قوات الى سورية وللقتال تحت رايات الرئيس ترامب العنصري الكاره للإسلام والمسلمين، الذي ينفذ مصالح إسرائيل في المنطقة، وسورية البلد العربي، في وقت يستعد فيه لترؤس الاحتفالات بافتتاح السفارة الامريكية في القدس المحتلة، وتدشين انطلاق صفقة القرن، فالتحالف الذي يقاتل لإحباط هذه المشاريع الأمريكية في المنطقة سيتصدى بقوة لها، لاستعادة جميع الأراضي السورية الى سلطة الدولة، مثلما فعل في حلب والغوطة ودير الزور والقائمة طويلة. الحرب القادمة ضد ايران ستكون إسرائيلية بإمتياز، ولتأمين الاغتصاب الإسرائيلي للأرض والمقدسات العربية والإسلامية، ولن تخرج منها إسرائيل منتصرة، لأنها خسرت جميع حروبها ضد المحور الإيراني، والجماعات المدعومة من قبله، في لبنان وفلسطين، وسورية، والحرب المقبلة لن تكون استثناء أو هكذا نأمل ..
والأيام بيننا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.