الجرس الصوتي في القرآن

(1)
لا شك ان القرآن الكريم سّر خالد ، فهو نور الله في أفق الدنيا حتّى نزوله ، أنزله على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله معجزةً خالدةً باقيةً الى يوم الدين ، نزل بافصح لغة تعارف عليها العرب بما فيها من خصائص عجيبة دلّت على جزالة اللفظ ودقة المعاني واحكام النظم في تأليف صوتي يكاد يكون موسيقياً محضاً في تركيبه وتناسبه الحاصل بين أجراس اصواته وملاءمتها بين طبيعة المعنى والصوت الذي يؤدّيه ، ولما كان العربي بفطرته مّيالاً الى الايقاع بسبب صحرائه الواسعة المترامية الأطراف التي بدا فيها جمال الصورة الامر الذي يؤدي الى ان تعبر تلك النفس البدوية بجميع انفعالاتها ومطامحها عن ذلك بتعبير موسيقي موزون نزل القرآن بهذه اللغة الموسيقية لتكون انعكاساً وصدىً عن نفسية ذلك الانسان فكان التحدي وكانت المعجزة .وقد نبّه الله سبحانه وتعالى – على اهمية الجرس واثره في النفس البشرية بقوله تعالى « ورتل القرآن ترتيلا» وبهذا استهوى جرس القرآن وانسجامه الصوتي نفوس العرب فتذوقوا حلاوته التي لم تكن موجودة في شعرهم الذي نبغوا فيه فاقبلوا عليه يقرؤونه بتلاوة جميلة ووضعوا له قواعد لتجويده وكيفية اخراج اصواته باجراسها المتنوعة ، والجرس يرتبط بالنغم ارتباطا وثيقاً لذلك جمع القرآن بين موسيقا الشعر حيث نغمة الوزن والاهتزاز الصوتي وموسيقا النثر حيث الايقاع العميق الذي تحدثه دقة التوزيع وحسنه بين الحروف ذاتها والكلمة والعبارة ، والآية والسورة وموسيقا الحس حيث مشاركة الحواس لاهتزازات النفس ، والعرب عرفت الموسيقا في شعرها فلما نزل القرآن دُهشوا لما فيه ، وراحت عقولهم تتأول فذهب بعضهم الى انه شعر (حاشا لكتاب الله) وعدّه بعضهم الآخر سحراً ، ولهذا عب الاستاذ مصطفى صادق الرافعي عن هذا الموقف « فلما قُرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته ، وكلماته في جملة الحانا لغوية رائعة كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة فلم يفتهم هذا المعنى ، وانه امر لا قبل لهم به ، وكان ذلك ابين في عجزهم حتى وان من عارضه كمسيلمة الكذاب جنح في خرافاته الى حسبه نظماً موسيقياً او بابا منه وطوى عما وراء ذلك من التصرف في اللغة واساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني كأنه فطن الى ان الصدمة الاولى للنفس العربية انما هي في اوزان الكلمات واجراس الحروف دون ما عداها وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب الا ان يكون وزنا من الشعر او السجع وقد كان الجرس الصوتي ملائما للمعاني التي وردت فيه من ذلك قوله تعالى « رب اني وهن العظم مني واشتعل الراس شيبا ولم اكن بدعائك رب شقيا واني خفت الموالي من ورائي وكانت امراتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا «نجد في هذه الايات موسيقا الالف وجرسها الصوتي في الالفاظ ( شقيا وليا رضيا ) فضلا عن جو الدعاء والخشوع في حضرة التقديس والتنزيه من خلال كلمة (رب) اذ تتوثق الصلة بين المنادي والمنادى .
وكذلك في قوله تعالى « وهم يصطرخون فيها ربنا اخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل « فهذا مشهد آخر يختلف عن ذي قبل فهنا الكفار في نار جهنم وهم يصيحون ويصرخون ويستغيثون ويريدون مخرجا لهم فلا مخرج فعبر عن هذا الجهد والشدة كما يرى الزمخشري ونرى ان هذه الاستغاثة عبر عنها اجتماع الصاد مع الطاء وكلاهما صوت مطبق لهما جرس يختلف عن اجراس الحروف الاخرى عبر الكفار بالصاد والطاء لانهم لا يستطيعون الموت ولا يستطيعون الخلاص لهذا جاء الجرس الصوتي معبرا عن حالهم ولهذا ذكر بعض المحدثين « ان القرآن يمتاز باسلوب ايقاعي غني بالموسيقا ملائم لما فيه من المعاني دون تن يطغى هذا على ذاك..

د. علي حسن مزبان

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.