النهج التربوي في فكرالإمام الخميني «قدس سره»

اعتدنا البحث في فكر الإمام قدس سره عبر مراجعة نصوصه أو تجربته بطريقة تتناول الموضوع، وكأن البحث يتعلق بعالم من المثاليات التي نرغبها وتستهوينا فننزع إليها بشعور من الرضا عن ذاك النزوع، وبذرائعية نلجأ إليها لنبرر انكفاءنا عن السير على الخطى التفصيلية لأفكار وإرشادات الإمام الخميني قدس سره.
وهي ذرائعية تقول أن سمو مثاليات الإمام قدس سره أكبر وأطهر من أن نقدر عليها.. علماً أن مفاد هذه النظرة، الحكم على تلك الرؤية بالسلبية والفراغ.. لأن نظام القيم السامي ما لم يتموضع في نظام قيمي تداولي يخضع للمعايشة والتجربة فلن يكون إلا نظاماً فاقداً للمعنى والحيوية..وبالتالي، فعدم مقاربة المنهج التربوي عند الإمام الخميني قدس سره من خلال كونه أطروحة تنفذ تفصيل الواقع بكل مجرياته المحاطة بظروف الزمان والمكان والضرورات وإلى ما هنالك.. هو بواقع الأمر اقصاء لذلك المنهج، أو إن شئت فقل النهج.. وكلما تباعد الزمن بيننا وبين المدة الزمنية لقيادة الإمام الخميني قدس سره المباشرة، فإن خشيتنا ستزداد من أن ندمن الإمام الراحل كمثال تتفتق عنده الإريحيات السائحة في عوالم تبتعد عن الواقع..هذا ومن قلب هذا الافتراض.. نود الإشارة إلى أن أي منهج تربوي، إنما يُبنى على جملة من القيم التي تنقسم إلى مكونات النمو والتطور في الشخصية، وهذه المجالات هي:
• المكوِّن المعرفي: الذي يمثل حركة العقل فيما يختار من أفكار وتصورات وقناعات ومفاهيم ورؤى.
• المكوِّن السلوكي: ويتعلق بتطوير الخبرات والأداء والالتزامات العملية لحركته وتواصله مع الحياة وأبناء الحياة.
• المكوِّن المعنوي: وهو ما يرتبط بالمثل الذي يختاره الإنسان، وهذا المثال إن كان سامياً، فإنه يعطي المكوِّن المعرفي قيماً سامية، وإن كان متدنياً، فإنه بلا شك سينحط في قيمة معارفنا.
فالمشكلة ليست في أصل الثقافة والفن، بل في مضامين البرامج والتوظيفات الموضوعة لهما. والتي شكلت اتجاهاً في بناء الشخصيات، يقوم على أساس التبعية والالتحاق بالأجنبي والعمل على غير منفعة المجتمع والبلاد الإسلامية.
لقد تم حقن الواقع ببرامج وقيم تدميرية للقوى الإنسانية والفكرية، ولإرادات النمو والتكامل، وذلك عبر الخوف وعدم الثقة بالذات، عبر قيم ثقافية استعمارية إذ «الثقافة هي أساس الشعب، وأساس قومية الشعب، وأساس استقلال الشعب. لهذا حاولوا أن يجعلوا من ثقافتنا استعمارية، حاولوا ألا يوجد الإنسان. وخططوا للتعليم بشكل لا يحدث أي نمو علمي وإنساني. لقد خوّفونا من خلال دعاياتهم، فأصبحنا نخاف من أنفسنا، ولا نعتمد على أنفسنا».فالمعركة المصيرية تمحورت حسب الإمام بأصلين:القيم الإنسانية، والبرامج التعليمية.
ويضع الإمام الغايات والمثل الأعلى لتوضيح الفارق بين إنسان الدين والأنبياء(عليهم السلام) وإنسان المادة والدنيا.فغاية الأنموذج النبوي:»يعمل الإنسان فيها لله، ويحيا لله، ويموت لله أيضاً».»فإنسان الأنبياء لا تحكمه الأشياء بل هو الذي يحاكمها على أساس من نظام الشريعة والأخلاق الدينية. ولو وجد إنسان واحد، فقد يهدي شعباً بأكمله».ولتكوين مثل هذه الشخصية، فلا بدَّ من رعاية جملة من المكونات القيمية. والتي تعتمد عند الإمام قدس سره على أبعاد وقيم معنوية حاكمة على المكونات التعليمية والكفاءات المهارتية.
فمثل هذا التوكل حوَّل الثقة بالنفس أنها لا تعرف الهزيمة، إذ حتى القتل في سبيل القضية هو نصرٌ عنوانه الشهادة. وهذا تغيير في أصل القيم الثقافية في مسار حركة الشعوب.ومقتضى هكذا فهم لقيم النصر والتوكل، الزهد القلبي بالناتج الدنيوي وهو زهدٌ فردي لا زهدٌ على مستوى طموح الأمة.
عليه فلا يصح اعتماد برامج توجه السلوك نحو اختيار حلول للمشكلات قائمة على أساس أن الترفه والتملك والمكانة السياسية والتنظيمية والإدارية هي الأصل.. إذ فارق بين كونها أصل الحل للمشكلات، وبين عدّها مقتضيات تعوز الحل العملي…ولأن «يقين الإنسان هو أساس جميع الأمور»،عند الإمام الخميني قدس سره واليقين بإنسانية الإنسان يحتاج في جانب النهج التربوي إلى مكوِّنات أدائية و مهاراتية،وهي التي أطلق الإسلام عليها اسم الجهاد..و»الجهاد من أجل البناء (بناء الإنسان لنفسه) مقدَّم على جميع أنواع الجهاد. وهذا الجهاد هو الذي عبَّر عنه الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالجهاد الأكبر». فينبغي أن نرسي قاعدة تربوية لقيمة في الأداء اسمها الجهاد.فدور المعلم جهاد، ودور الأب والأم جهاد، ودور السياسي جهاد، ودور التقني جهاد، ودور العالم والمفكَّر والفنان جهاد. هذا ومن باب أولى أن عمل المقاوم والمحارب المسلم والإداري هو جهاد..شرط أن يقوم ويستهدف بناء الإنسان والأمة والحياة، على أساس برامج وخطط موصولة، أو نابعة من معايير القيم الإسلامية العليا..فإلى كل الذين يرسمون البرامج والخطط، ويضعون المناهج والتصورات، ويراعون الدقة في ضبطها وتبويبها،وهو أمرٌ محمود يشكرون عليه، عليهم أن ينظروا إلى أفق تلك البرامج والخطط والمناهج المعنوية والقيمية، وإلى دورها ومراسيلها التي تشكل اتجاهات في شخصية المتلقين، ولو بنفس المستوى من العناية في ضبط الشكليات والجدوى المباشرة،وعليهم دائماً ألا يهملوا جانب الدين الإسلامي لأن المجتمع لا يقوم إلا به وبمن يمثله في الأرض.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.