خطر داهم

أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أنَّ الحياةَ بشكلٍ عام، والإنسانية بصورةٍ خاصة، لا يمكن أنْ تقوم أو تستمر وتتطور مِنْ دُونِ الماءَ الَّذِي لا يمكن فصله عَنْ الحياة. وبالاستنادِ إلى الأدبياتِ العلمية يشكل الماءَ ما يقرب مِنْ (70%) مِنْ وزنِ الجسم البشري، فضلاً عَنْ كونه مِنْ أهمِ العناصر الضرورية لاستدامةِ الزراعة الَّتِي يتغذى عليها الإنسان، وهو الأمر الَّذِي يؤكد ارتباط الأمن الغذائي الوثيق بأمنِ المياه. ومِنْ المعلومِ أنَّ مجموعَ حجومَ المياه العذبة الَّتِي تكتسب أهمية خاصة فِي المجتمعاتِ البشرية ويتفاوت توافرها ما بَيْنَ منطقة وأخرى أو ما بَيْنَ بلد وآخر، تصل نسبتها بحسبِ المتخصصين إلى نحو (3%) مِنْ إجمالي مياه العالم.
ليس خافياً أنَّ العراقَ يشارك أغلب البلدان العربية فِي الوقوعِ ضمن منطقة يشير إليها علماء الجغرافية بوصفِها أكثر أجزاء العالم جفافاً؛ إذ أنَّها مِنْ المناطق الَّتِي تتميز بقلةِ هطول الأمطار فِي أقسامها، ما يعني أنَّ «المواردَ المائية المتجددة» فِي عمومِ المنطقة العربية تُعَدّ محدودة، إنْ لم تكن نادرة نسبياً، بالمقارنة مع الزيادةِ السكانية المتنامية بفعل زيادة معدل النمو السكاني. وعَلَى الرغمِ مِنْ مرورِ نهري دجلة والفرات فِي مساحاتٍ واسعة مِنْ أراضينا الوطنية، إلا أنَّ العراقَ يعاني – مثل أغلب البلدان العربية – مِنْ مشكلةٍ شائكة ومعقدة يصعب انفراجها فِي ظلِ الظروف الراهنة، وَالَّتِي تتمثل بمشاركتِه دول أخرى فِي مواردِه المائية السطحية، وهو الأمر الَّذِي افضى إلى جعلِ الموارد المائية لمجاري أنهارنا الوطنية مهددة عَلَى الدوامِ وفِي أي وقت؛ بالنظرِ لعدمِ التزام تركيا بمضامينِ الاتفاقيات الدولية المبرمة ما بَيْنَ دول المنبع والمجرى والمصب، حيث أنَّ سلامةَ مياهنا الوطنية تتغير تبعاً إلى مستوى تنفيذ تلك القواعد القانونية الَّتِي تتأثر بشكلٍ كبير بمعطياتِ مجريات الأحداث والمواقف السياسية لتلك البلدان.
أزمة المياه العراقية الثقيلة بسلبيةِ آثارها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، سبقت بأعوامٍ طويلة مشكلة نهر النيل الَّتِي طفت مؤخراً عَلَى سطحِ الأحداث الراهنة فِي أعقاب عزم اثيوبيا الشروع بإملاءِ سد «النهضة»، إلا أنَّ الفرقَ ما بَيْنَ هاتين الأزمتين هو التحرّك المكثف للحكومةِ المصرية عَلى الصعدِ كافة، حتى وصل الأمر إلى اعتمادِ تقنيات متطورة بمقدورِ آلياتها مراقبة إجراءات الحكومة الاثيوبية بشكل دقيق ودائم؛ لأجلِ متابعة أطلاقات المياه عَلَى وفقِ الاتفاقات المبرمة ما بَيْنَ اثيوبيا ومصر والسودان. كذلك أعلنت القاهرة قبل أيام قليلة عَنْ امتلاكِها خيارات عديدة لمواجهةِ محاولات التفرد الأثيوبي بمياه نهر النيل، فِيما تقف بغداد مكتوفة الأيدي فِي التصدي لغطرسةِ العقلية العثمانية الَّتِي لم تكن جديدة عَلَى بلادنا، فما تَزال سيادتنا تنتهك فِي شمالي البلاد عَلَى مرأى ومسمع ما يشار إليه باسْمِ المجتمع الدولي، وَالَّذِي كشف الستار عَنْ هشاشة ما عرف بـ «اتفاقية الإطار الاستراتيجي» الموقعة ما بَيْنَ العراق والولايات المتحدة وعدم جدواها.
فِي أمَانِ الله..

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.