التكنولوجيا الحديثة تخلق صراعاً جديداً بين الأجيال جيل الشباب يناقش قضاياه على شبكات التواصل الاجتماعي، أما الجيل السابق فمازال يناقشها في جلسات المقاهي الشعبية

مع ظهور وسائل التواصل الحديثة والتطور السريع للتكنولوجيا التي غزت المجتمعات العربية، يطرح مثقفون إشكالية قديمة لكنها تجددت في الواقع الراهن وهي الصراع بين الأجيال.
يبدو هذا الصراع تقليداً لكن مع اختلاف العقد الحالي مع العقود السابقة تختلف معه أوجه الصراع بين الفئة الشابة وبين الكبار في السن، والذي تحول إلى صراع بين جيل يشيد بالتكنولوجيا وآخر يعاديها، بين نخبة مثقفة تتمسك بأفكارها ومعتقداتها وطريقتها في الحياة وأخرى متحررة تنبض بالحركية ولا تبالي لحدود في عالم جعلت منه العولمة قرية صغيرة.
انقسم بذلك مجتمع المثقفين العرب إلى نصفين. كل نصف يرفض الآخر، يتربص به، وقد يعد خطواته، ويحسب أنفاسه. طرفان لا يتفقان، ولا يلتقيان. لكل منهما أفكار وأدوات وأذواق وجمهور ونظم.
المثقفون الكبار ينظرون إلى مواهب صاعدة يتجاهلون حماسها ويمارسون دور الوصاية والإرشاد للأجيال الأقل سنا. يرفضون وسائل تواصلهم الحديثة ويتندرون على أفكارهم، ويعادون التكنولوجيا، في المقابل هناك آخرون صغار، مُتمردون ضد قواعد وضوابط ومعايير وضعها الكبار. ينفرون من حدود يفرضونها عليهم بحجة الاستفادة من خبراتهم، يجادلون أفكارهم ويضعونها تحت المساءلة.
هل تستخدم الفايبر أو الواتساب ؟ ما هو حسابك على فيسبوك و تويتر ؟ هكذا تبدو لغة التواصل للشباب اليوم، لكن هذه اللغة تختلف عن وسائل التواصل التقليدية للأجيال السابقة. وعمقت هذه الاختلافات مع التطور السريع والمذهل للتكنولوجيا الفجوة الثقافية والفكرية بين جيل المثقفين الشباب وجيل الكبار. وفي الوقت الذي نجح فيه الشباب في استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لنقاش قضايا فكرية بحث رواد فيسبوك وغيره من المواقع للمشاركة في الحياة الثقافية. ينتقد الكبار بحث الشباب عن الإثارة ولفت الأنظار والسطحية، وبرغم أن صراع الأجيال أخذ شكلا جديدا مع التطور التكنولوجي تكشف عنه الاهتمامات الأدبية لكل منهما، إلا أن متابعين يعتقدون أنه من شأن هذا الاختلاف أن يثري المشهد الثقافي بالمجتمعات العربية.
انقسمت عوالم الأجيال إذن، لكن الفجوة اتسعت وانقلبت إلى صراع صاخب في السنوات الأخيرة، تأجج هذا الصراع أكثر مع تطور التكنولوجيا واستعمال وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد هذا الصراع خافيا وهو ما توضحه المجادلات الساخنة بينهما (الشباب والشيوخ) والاختلافات الفكرية التي تظهر إلى العلن مع كل حادثة أو حدث يثير الجدل أو قضية ثقافية تهز المجتمع.
فجوة ثقافية
يقول الناشر رضا عوض مدير مؤسسة رؤية للنشر «لكل جيل كتابه، والشباب بشكل خاص يهتمون بقراءة أحمد مراد وخالد توفيق وحسن الجندي ومحمد صادق ودان برون، لكن قليلين من عالم الكبار مَن يقرأ لهؤلاء».
ويلفت عوض إلى أنه «بات هناك عالمان مختلفان في المجال الثقافي»، يدلل على ذلك قائلا «الكتب التي يشتريها من هم دون الأربعين تختلف تماما عن تلك التي يطلبها من هم يزيدون عن الأربعين والخمسين والستين».
ولا يقتصر الاختلاف بين الكبار والصغار على كتابهم المفضلين، وإنما يمتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات التبادل المعرفي الحديثة التي فرضت تعاملا متطورا مع الكتابة والقراءة والنشر.
بات جيل المثقفين الشباب يناقش قضاياه الفكرية على شبكات التواصل الاجتماعي، أما الجيل الذي تجاوز الخمسين والستين فمازال يناقشها في جلسات المقاهي الشعبية، والمنتديات الثقافية والفعاليات الرسمية.
وإذا ما أردنا أن نخضع المبدعين من الجيلين لمقارنة فسنلحظ فروقا عديدة في طرق وأنظمة نشر الكتب وتسويقها والترويج لها، حيث أن الشباب أكثر قدرة على تحقيق مبيعات مرتفعة والتواصل مع جمهور أكبر من القراء، لاعتمادهم على شبكات التواصل الاجتماعي بصورة مثلى: حفلات التوقيع لم تكن متبعة من قبل حتى نقلها كتاب شباب من عواصم غربية كأدوات عصرية للترويج.
كذلك ظهرت فكرة «البرومو» للدعاية للعمل الأدبي بين الأجيال الجديدة، وكانت محل استهجان من الشيوخ، وهي عبارة عن فيلم قصير لا يزيد عن دقيقتين يقدم النص الأدبي بنوع من التشويق. كما يلجأ بعض شباب المبدعين وجمهورهم إلى الاتفاق مع ملحنين موسيقيين لتأليف مقطوعات موسيقية تتناسب مع أعمالهم الأدبية لنشرها على مواقع التواصل عند طرح الكتب في المكتبات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.