احتراق

ميادة سليمان/ سوريا

 

اعتادَ على رؤيةِ جِدارِ التّفاهمِ المُنهارِ بَينهُما، بخيالهِ الخِصبِ بنى قصرًا جميلًا معَ أنثى أحبّها. حينَ وشى إليها إحساسُها، باتت كالدَّجاجةِ الحائرةِ تروحُ، وتجيءُ، وأخيرًا قرّرت أن تبيضَ، مُتأمّلةً أنّ صوصًا جديدًا قد يجعلُهُ يهتمُّ بها.وما بينَ ليلةٍ، وضُحَاها انضمّتْ إلى كلّ المجموعاتِ الأدبيّةِ الّتي يُشاركُ بها، وادّعتْ حُبَّها لِكتاباتِهِ، وإعجابَهَا بإبداعاتِه، وتفاديًا لأخطائِها الإملائيَّةِ الفَظيعةِ، كانتْ تطلبُ منهُ أن يكتبَ لها تعليقاتٍ تنسَخُها، ثُمّ تُعلِّقُ لهُ بِها.
تطوَّرَ الأمرُ، فباتتْ تطلبُ منهُ أن يكتبَ لها شيئًا لتُشارِكَ بهِ في بعضِ المُسابقاتِ الأدبيَّةِ.أمّا هوَ فقد أدمنَ الإذعانَ؛ مُشاركةٌ، وتكريمٌ غيرُ مُستَحَقٍّ نالَتْهُ، ظنَّ أنّهُ بترَ جذرَ عُقدَتِها.
مرّتْ شهورٌ سود، وهي تلاحقهُ في كُلِّ الدُّروبِ الإلكترونيَّةِ، حتَّى صارَا نُكتةَ الوسطِ الأدبيِّ. ولاسيَّما أنَّها كانت تراقبُ كلَّ أنثى تُعلِّقُ، أو تُعجَبُ بمنشوراتِهِ. والويلُ لهُ إنْ علّقَ لمن تُعلِّقُ تعليقًا فيه مديحٌ أو إطراءٌ، أو رائحةُ غزلٍ. ويا بؤسَهُ إن حكّمَ مسابقةً ووضع علامةً عاليةً لإحدى الحسناواتِ حتّى لو كان ما كتبتْهُ رائعًا!ضاقَ ذرعًا بها وبغَيرتِها المَرَضِيَّةِ، وكُلَّما طَرَقَ بابَ أملٍ في اخضرارِ شُجَيرةِ ثقتِها بنفسِها، أحبطَهُ يباسُ أغصانِ شَخصيَّتِها.ذات يوم ألحَّتْ أن يكتُبَ لها كلماتٍ جميلةً كي تُري الأُخرياتِ أنّهُ يُحِبُّها، حاولَ التّملُّصَ، لكنَّ النَّكَدَ كانَ يلوِّحُ لهُ مِن بعيدٍ.تخلُّصًا من نَقيقِها، كتبَ: (زوجتي شَمسُ أيّامي)!طارَ عقلُها الصَّغيرُ فَرِحًا، فيما فتحَ النَّافذَةَ، مُحَدِّقًا بالشَّمسِ..
ضَحِكَ حَتّى دمعَتْ عَيناهُ، ثُمَّ قالَ في مَكرٍ:
الحمدُ للهِ، لمْ تفطَنْ أنّنا في شهرِ آبَ!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.