الضاد .. وأهل الضاد

فضيلة يزل

القسم الاخير

أقدمتُ على جمع هذه المعلومات ليس للتعريف باللغة العربية او السبر في أغوارها فالكل يعرف قيمتها بوصفها لغة القرآن الكريم الغزيرة بالمفردات العميقة والمعاني الواسعة التي تجعلنا نبحر بدلالاتها ومعانيها، بل للحديث عن حرفها المميز والذي عُرِفَتْ به إلا وهو حرف (الضاد) الذي ترتكب بحقه اخطاء مروعة، وبالتالي بحق اللغة العربية.مخرج الضاد
ورد العديد من التعابير التي تبين مخرج الضاد، وعلى الرغم من الاختلاف اليسير في التعبير الا ان مصبها في النهاية واحد وهو المخرج الحقيقي لحرف الضاد وربما يبدو للوهلة الأولى ان هناك تناقضاً بين الاقوال فيما يخص مخرج الضاد إلا ان الاقوال في مجموعها تعطي حقيقة هذا الحرف العجيب، والفصل واسميه الفصل لأن تعرف به حقيقة الفصاحة من عدمها لدى الناطقين به، فقد اطلق العرب مسمى الجزء وارادوا به الكل فقالوا عن اللغة العربيــــــة: «لغة الضاد»، ولم يفعلوا ذلك إلا بعد دراسة مستفيضة وتحر دقيق عن دقائق هذا الحرف الذي حيّر الباحثين قديما وحديثا بل واجهد المتعلمين الذين حاولوا تعلمه على الكبر، فلا غرابة ان يعمد العرب قديماً الى الحاق ابنائهم بالبادية ليتعلموا الفصاحة لأن مطلبها على الكبر عسير، وسيتبين ذلك من خلال ما سيورد عن هذا الحرف.
والضاد عند الفراهيدي شجرية أي تخرج من شجر الفم أي مفرجه او مفتحه، وعند سيبوية من بين أول حافة اللسان وما يليه من الاضراس. ويوافق ابن جني سيبويه: إلا انك ان شئت تكلفتها من الجانب الايمن وان شئت من الجانب الايسر، وخروجها من الايسر ايسر، وخالف الجاحظ فقال: «فاما الضاد فليس تخرج الا من الشدق الايمن الا ان يكون المتكلم اعسر يسراً. وقد وجدنا من خلال البحث في هذا الموضوع ان الكثير من الكتاب تعرضوا لمقالة المستشرق الالماني براجستراسر في محاضراته التي القاها في الجامعة المصرية سنة (1929) والتي تحدث فيها عن حرف الضاد قائلاً: «وأما رابعها وهي الضاد، فهي الآن شديدة عند أكثر البدو ومع ذلك فليس لفظها البدوي الحاضر نفس لفظها العتيق؛ لأن مخرج الضاد في جدول المخارج من حافة اللسان، ومن القدامى من يقول من جانبه الايسر ومنهم من يقول من الايمن ومنهم من يقول من كليهما فمخرجها قريب من مخرج اللام الذي هو ايضاً من حافة اللسان وذلك يدل على ان الضاد كانت تشبه اللام من بعض الوجوه والفرق بينهما هو ان الضاد من الحروف المطبقة كالصاد وانها من ذوات الدوي واللام غير مطبقة صوتية محضة؛ فالضاد العتيقة حرف غريب جداً، غير موجودة حسبما اعرف في لغة من اللغات الا العربية ولذلك كانوا يكنون عن العرب بالناطقين بالضاد، ويغلب الظن ان النطق العتيق للضاد نطقاً قريباً منه جداً عند اهل حضرموت وهو كاللام المطبقة ويظهر عند الاندلسيين إذ كانوا ينطقون الذال مثل ذلك ولذلك استبدلها الاسبان بالـ(LD) في الكلمات العربية المستعارة في لغتهم مثال ذلك كلمة القاضي صارت في الاسبانية (ALCALDE) ومما يدل ايضاً على ان الضاد كانت في نطقها العتيق قريبة من اللام.
فقد ذكر الزمخشري في كتابه المفصل ان بعض العرب كان يقول: (الطجع) بدل (اضطجع)، ونشأ نطق الضاد عند البدو من نطقها العتيق بتغيير مخرجها من حافة اللسان الى طرفه ونطقها عند اهل المدن نشأ من هذا النطق البدوي بإعماد طرف اللسان على الفك الاعلى بدل تقريبه منه فقط، فصار الحرف بذلك في نطقه شديداً بعد ان كان رخواً». وما هناك حرف اعسر على اللسان غيره، والناس يتفاضلون في النطق به فمنهم من يجعله ظاءاً مطلقاً لأنه يشارك الظاء في صفاتها كلها ويزيد عليها بالاستطالة فلولا الاستطالة واختلاف المخرجين لكانت ظاءاً. وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى لمخالفة المعنى الذي اراده ؛ إذ لو قلنا (الظالين) بالظاء كان معناها الدائمين وهذا خلاف مراده تعالى وهو مبطل للصلاة لأن الضلال بالضاد هو ضد الهدى كقوله تعالى: «ضل من تدعون الا اياه» الإسراء 67 و «ولا الضالين» الفاتحة 7 ونحو بالظاء هو الدوام كقوله تعالى: «ظل وجهه مسوداً» النحل 58 وقد حكى ابن جني في كتاب التنبيه وغيره ان من العرب من يجعل «الضاد» ظاء مطلقا في جميع كلامهم، وهذا غريب وفيه توسع للعامة، ومنهم من لا يوصلها الى مخرجها بل يخرجها دونه ممزوجة بالطاء المهملة، لا يقدرون على غير ذلك… ومنهم من يخرجها لاماً مفخمة … وإذا أتى بعد الضاد حرف إطباق وجب التحفظ بلفظ الضاد لئلا يسبق اللسان الى ما هو أخف عليه وهو الادغام كقوله تعالى: «فمن اضطر» البقرة 173، وقوله : «ثم اضطره» البقرة 126، وإذا سكنت الضاد واتى بعدها حرف من حروف المعجم فلا بد من المحافظة على بيانها وإلا بادر اللسان الى ما هو أخف منها نحو قوله تعالى: «أفضتم» البقرة 198، وقوله: «خضتم» التوبة 69. ويرى ابن كثير في تفسيره خلاف ما يراه ابن الجزري في تمهيده فيرى: « ان الصحيح من مذاهب العلماء انه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما، وذلك ان الضاد مخرجها من اول حافة اللسان وما يليها من الاضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ولأن كلا من الحرفين من الحروف المهجورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك». وبالتالي، ان حرف الضاد من الحروف التي يجب تعليمها من الصغر للناشئة حتى لا تثقل عند الكبر، وحرف الضاد من الحروف التي من حقها الاظهار وقد تبدو سهلة عندما تكون متحركة ولكن صعوبتها تكمن عند النطق بها ساكنة ونجد ذلك في مثل قوله تعالى: «فمن اضطر» البقرة 173، و «ثم اضطره» البقرة 126، و «افضتم» ، و «خضتم» التوبه 69، و «ولا تنسوا الفضل بينكم» ففي هذه الكلمات لابد من اظهار حرف الضاد بالشكل السليم، وهذا الإجراء لا يتسنى إلا لمن أكثر الدربة على النطق بهذا الحرف على الوجهة الأمثل.
الفرق بين حرفي (الضاد) و(الظاء)
هناك فرق بين اللهجات في اللغة العربية.. فقد ننطق كلمات بحرف الظاء بلهجة معينة وتكون باللغة العربية بحرف الضاد.. مثل كلمة: ضعنا.. قد تنطق في بعض اللهجات بحرف الظاء.. فيُقال: ظعنا.. والصحيح أنها بحرف الضاد: فنقول ضعنا..
نوضح هنا نقطة أن دراسة اللغة العربية والتفرقة بين الحروف المتشابهة بعض الشيء يساعدنا على قراءة القرآن الكريم الذي نزل باللغة العربية.. ولا يخفى على أحد أن من يخطئ بين حرفي الضاد والظاء في القرآن الكريم.. بعد معرفته للفرق بينهم هو آثم. ويُسميه علماء التجويد لحن جلي.
أولاً: أحب أن أوضح موضع الحرفين بالنسبة للأحرف الأبجدية: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، س، ش، ص، ض، ط، ظ، ع، غ.. إلخ.يقع حرف الضاد (ض) بعد حرف الصاد (ص) ورقمه 15، أما حرف الظاء(ظ) فيقع بعد حرف الطاء (ط) ورقمه 17.
ثانيا: شكل الحرف
كما هو واضح أن حرف الضاد عليه نقطة وليس له عصاة (ض)، أما حرف الظاء فله نقطة أيضاً وله عصاة (ظـ).
ثالثاً: مخرج حرف الضاد(ض) والظاء (ظ)
فالضاد تخرج من إحدى حافتي اللسان مع أطراف الثنايا العليا وخروجها مع الجهة اليسرى أسهل وأكثر استعمالاً ومن اليمنى أصعب وأقل استعمالاً ومن الجانبين معاً أعز وأعسر, فهو أصعب الحروف وأشدُّها على اللسان, ولا يوجد في لغة غير العربية ولذلك تَسمى لغة الضاد.أما الظاء فتخرج من ظهر طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا.
رابعاً: كيف نفرق بين حرفي الضاد(ض) والظاء(ظ) في النطق؟
حرف الضاد حين نطقه لا نخرج اللسان أبداً.. ولا نرفعه إلى الأسنان. أما حرف الظاء حين نطقه نحتاج لأن نخرج اللسان ونرفعه إلى الأسنان.
خامساً: أمثلة على حرفي الضاد(ض) و الظاء(ظ):
المثال الأول: ظل: أي بقي هنا. ضل: أي ضاع او وقع في الضلالة وهي غير الهدى، فنقول: ظل بالمسجد بعد الصلاة لمدة ربع ساعة، ونقول: ضل أحمد الطريق أثناء ذهابه للمدرسة، او (ولا الضالين) اي غير المهتدين.
ونقول أيضاً: أسأل الله تعالى أن يظلنا بظله يوم لا ظل إلا ظله. ومن الخطأ أن نقول يضلنا، فالله تعالى يظلنا من الظل، لا يضلنا من الضلال.
المثال الثاني: في الآية الكريمة يوجد كلمتان بحرف الضاد وكلمة بحرف الظاء: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {1} وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ {2} الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ».
الكلمتان بحرف الضاد: وَوَضَعْنَا ـ أَنقَضَ، الكلمة بحرف الظاء: ظهرك.
المثال الثالث: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)» سورة القيامة، الكلمة بحرف الضاد: ناضرة، الكلمة بحرف الظاء: ناظرة.
فنجد أن هناك فرقاً واضحاً بين النضارة والنظر.
أمثلة لكلمات بحرف الضاد: ضرب، ضعيف، ضوء، ضمان، الضالين، الضلال، الضياء، ضفدع، ضمير، ضحك، معرضون.. إلخ.
أمثلة لكلمات بحرف الظاء: ظرف، ظالم، ظبية، ظلام، ظل، العظيم، الظمأ، ظفر، الظن.. إلخ.
وقد وصلت إلينا بعض المعلومات التي تشير إلى طريقة لفظ هذين الحرفين، فكان ثمة خلط بينهما (شأن كثير من العراقيين والمغاربة في لهجاتهم اليوم)، ومن ذلك ما أورده الجاحظ في (البيان والتبيين) ج 2، ص 211، وهنا اختم بحثي بهذه الطرفة:
كان رجل بالبصرة له جارية تسمى ظمــياء، فكان إذا دعاها قال: يا ضميـــاء! فقال له ابن المقفع «قل يا ظمياء»! فناداها «يا ضميـــاء»! فلما غيّر عليه ابن المقفع مرتين او ثلاثاً قال له: «هي جاريتي ام جاريتك»؟!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.