مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

33

مِنْ المؤكّـدِ أنَّ هَذِه الجزئية كانت نقطة جذب هائلة لغالبيةِ الكادحين وَالمسحوقين فِي العراق، فالمناضل ـ بفضلِ مَا آمن بِه مِنْ مبادئ ـ يفكر عَلَى الدوامِ فِي البحثِ عَمَا يمحى غبار الآلام عَنْ صدرِه، وَكما تقول الحكمة «المستقبل شبح يؤرق كُل عين إذا نامت «. وَلعلَّ خيرَ مصداقٍ عَلَى مَا تقدم هو قضاء السجناء أمسياتهم بالغناءِ أو إقامة أمسيات الشعر أو العمل فِي إصدارِ النشرات الثقافية الَّتِي كانت تجرى بحذرٍ شديد وَسرية تامة خشية معرفة الحرس أمرها. يُضافُ إلى ذلك قيام بعض السجناء فِي تخضيرِ مناطق صغيرة مِنْ تلك الأرض الجرداء وَتحديداً بمحاذاةِ القلعة القديمة؛ تعبيراً عَنْ أحلامِهم فِي بلدٍ موشح بالنماءِ وَالبناء وَإنسان حرٍّ يعيشِ بسعادةٍ وَرفاهية. وَيرى المُتَخَصِّصون أنَّ تلك الفعاليات الفردية أو الأنشطة الجماعية للسجناءِ تُعَدّ بوصفِها إحدى عجائب الحياة فِي غياهبِ سجنِ نقرة السلمان؛ إذ كان لتلك النشاطات بلا ريب أثرٌ فاعلٌ فِي إزاحةِ ركام مَا قد يكمن مِنْ يأسٍ فِي جنباتِ المعتقل، مَا يعني خلق بيئة مناسبة لإشراقةِ أملٍ بالحياة، فاليأس كما فِي حكمةٍ قديمة: «نقطة سوداء فِي عالم مضيء». وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ حياةَ السجناء المثيرة للغثيانِ فِي ثنايا معتقلَ نقرة السلمان، فضلاً عَمَا تفنن به أزلام سلطة الاستبداد مِنْ جلدٍ وَأساليب تعذيب فِي غيره مِنْ سجونِ وَمعتقلات بلادنا، كان لها الأثر الكبير فِي المُسَاهَمَةِ الفاعلة بإثارةِ محركات الوعيّ الوطني، بما حافظ عَلَى جذوةِ نضال شعبنا متقدة فِي وجه الدكتاتورية وَالفاشية، وَلا أدل عَلَى ذلك مِنْ موقفِ زوج فلاحٍ مناضل ـ يساري الهوى ـ إغتال الإقطاعيون رفيق دربها فِي خمسينياتِ القرن الماضي، ورموه مخضباً بدمِه جثة هامدة أمام باب منزله الطيني فِي منطقةِ الكحلاء بمحافظةِ ميسان، حيث وقفت تلك القروية الجنوبية الكبيرة بإنسانيتها بجَلَدٍ وَإباء متجاوزة آهات الوجع العراقي وَهي تصرخ بالنساءِ المعزيات طالبة الكف عَنْ البكاء؛ خشية أنْ يختلط «الكحل مَعَ الدم». وَالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ تلك الحادثة الكبيرة والمعبّرة عَنْ الذّاتِ الإنسانيَّة، لَمْ يحفظ لنا التأريخ مِنها غير مَا كتبه مظفر النواب عَنْ لِسَانِ زوجة الشهيد «صاحب الملا خصاف» بقصيدته الشعبية الموسومة «مضايف هيل»، وَالَّتِي خلدها العامة باسْمِ «جرح صويحب»، وَشداها الفنان سامي كمال فِي عامِ 1984م بلحنٍ جميل، ألزمته تكاليف انتاجه بيع مصاغ زوجته لتوفيرِ المبلغ.
بي للأحبةِ وجدٌ ما عرفت له
صبراً ودون منايَ الضّيمُ والرّعُبُ
للواقفات ـ حياءاً ـ خلف نافذةٍ
يشدّهنّ الى مُستظرَفٍ شَغَبُ
لعازفٍ تبعثُ السلوى ربابتُه
وناسكٍ ببخورِ الروح يختضِبُ
آهٍ على وطنٍ كاد النخيل بهِ
يكبو ويبرأ من أعذاقه الرُطَبُ
وكاد يهرب حتى من كواكبه
ليلٌ ويخجلُ من أجفانه الهُدُبُ
وربّ ظلمة كهفٍ بعد فاجعةٍ
أضاءها حُلُمٌ أو شفّها أرَبُ
ولسعةٍ من سياط القهر تجلدنا
تشدّنا للمنى والفجر يقتربُ
فِي هَذَا الخضم المتلاطم مِن المعطيات، يمكن القول إنَّ السَمَاويَ يحيى، استمد وَعيه السياسي مِنْ مجملِ أحوال مدينته البائسة، وَالَّتِي يقيناً كانت سبباً لمَا يشعر بِه، بالإضافةِ إلى مَا أحاط بِه مِنْ بِيئَةٍ مُجْتَمَعية تعاني الفقر وَالحرمان؛ إذ لا مغالاةً فِي القولِ إنَّ السَماوةَ كانت مدرسته، فقد كانت تُعّدّ محطة العبور الرئيسة نحو سجن نقرة السلمان سيئ الصيت، فضلاً عَنْ أَنَّ التظاهراتَ الشعبية كانت تنطلق مِنْ سوقِ السَماوة «المسقوف» نحو بقية شوارع المدينة. يُضافُ إلى ذلك أَنَّ ريفَ مدينة السَماوة كان ملاذاً آمناً للهاربينِ مِنْ شرطةِ مدير الأمن العام إبان العهدِ الملكي بهجت العطية (1900 ـ 1959) ـ الحاصل علَى لقبِ «باشا» بإرادةٍ ملكية مِن الملك فيصل الأول ـ أو مِنْ جلاوزةِ مدير الأمن العام فِي مطلعِ عهدِ النظام السابق ناظم كزار (1940 ـ 1973) لاحقاً، فلا عجب لو نظر مَا تعاقب مِن الحكوماتِ العراقية إلى مدينةِ السَماوة بوصفِــــها مدينة «مارقة».
وفِي هَذَا السياق يشير السَمَاوي إلى مرحلةِ فتوته فِي مدينته بقولِه: «فِي السَماوةِ كنا نشاهد سيارات الشرطة المليئة بالمعتقلين السياسيين وهم يهتفون مِن داخلِ الأقفاص الحديدية: سنمضي.. سنمضي إلى ما نريد»!
لـيـسَ لـيْ إلآكِ في مـمـلـكـةِ الـقـلـبِ شــريـكْ
فـأنـا بـعتُـكِ نـفـسـي فـي الـهـوى كـيْ أشــتـريـكْ
فـي دمـي جـمـرُ الـمـنـافـي.. والـفـراتـانِ وفـيءُ الـنـخـلِ فـيـكْ
مـنـذ أسْـلـمْـتـكِ أمـري وأنـا:
الـمـأسـورُ والآسِـرُ.. والـمـمـلـوكُ والـمـالـكُ.. والـعـبـدُ الـمـلـيـكْ
فِي صَخَبِ الجدل الشعبي الدائر حَوْلَ مَا كانت تشهده بِلاده مِنْ أحداث، انصهر السَماوي مذ كان غضاَ طرياً فِي قوافلِ الحالمين بغدٍ جديد بعد أنْ جهدَ فِي استكشافِ مرتكزاتِ رؤيته للمُسْتَقْبَل، إذ سرعان مَا وجدَ نفسه ـ فِي مرحلةِ دراسته الثانوية ـ تواقة للعملِ السياسي فِي حركةِ اليسار العراقي، فانتمى إلى «اتحاد الطلبة» عَلَى الرغمِ مِنْ إدراكِه العميق لِمَا يفرضه عَلَيه هذا الانتماء مِنْ مهامٍ أخرى تضاف إلى مَا تمليه عَلَيه المتطلبات الخاصة بضمانِ مستقبله المنشود، وَالَّذِي مِنْ أهمِ موجباته التمسك بالاستمرارِ في بِذل مزيدٍ مِن الجهد، وَالمواظبة عَلَى التحصيلِ الَّذِي يقتضي الاهتمام بأداءِ واجباته المدرسية، فالسَماوي يحيى كما عرفنا مِنْ مضامينِ شعره، فضلاً عَنْ شهاداتِ أترابه كان ـ وَمَا يَزال ـ رافضاً لأيّةِ دعوة تنحو فِي اتجاه ترويض الناس عَلَى القبولِ بالدونِ مِن المعيشةِ أو الساعية لإقناعهم قبول البخس وَالهوان فِي الحياة؛ لأَنَّ تلك الدعوات وَمَا ماثلها مِنْ حيث الغاية يراد مِنها تمكين السلطة مِنْ إشاعة «الظلم الاجتماعي»، بالإضافةِ إلى مَا يتبعه مِنْ تداعياتٍ تفضي إلى إرهاقِ المواطن الكادح.
حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي
ربـابـةْ
وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن مـعـزفـي
حـنـجـرةٌ تـنـهـلُ مـن بـحـيـرةِ الـكآبـةْ
وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
سـال الـضـوءُ مـن أصـابـعـي
وأمـطـرتْ حـديـقـتـي سـحـابـةْ
حـلـمـتُ يـومـا أنـنـي
سـادِنُ مـحـرابِ الـتـي صـارتْ تـسـمـى
نـخـلـة الـلـهِ بـبـسـتـانـي
وظِـلَّ الـلـهْ
فـي جـسـدِ الـتـرابِ والـنـيـرانِ
والـمـيـاهْ
وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
كـانـت لـغـتـي
تـخـلـو مـن الـشـوكِ
وجـمـر الآهْ

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.