الإخلاص الفكري والعقائدي

الإخلاص الفكري والعقائدي هو سلامة الفكر من الزيغ والانحراف والتصور غير الصحيح عن الكون والحياة، وهذا ما عبر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بكمال التوحيد بقوله: (أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه).ولما كان التوحيد هو قطب الرحى في الفكر الإسلامي، والأساس التي تقوم عليه كل المعارف الإسلامية، فلا بدَّ أن يكون خالصاً صافياً من جميع الشوائب الفكرية كالتصورات الوهمية، والمعتقدات الفاسدة التي تجر الإنسان إلى الشعور بوجود مؤثر في الوجود غير الله أو مع الله تعالى، والتعلق به من دون الله، وما نراه من ضعف وتهافت وسقوط في بؤرة الرياء والعجب في سلوك الكثير من الناس ما هو إلا نتيجة؛ لنقصان أو انحراف في اعتقادهم التوحيدي، ويقول الإمام الخميني(قدس سره):(فالرياءات الأفعالية بأجمعها، والرياءات القلبية أكثرها من نقصان التوحيد الأفعالي، فمن يرى المخلوق الضعيف المسكين مؤثراً في دار التحقيق ويعده متصرفاً في مملكة الحق كيف يستطيع أن يرى نفسه غنياً عن جلب قلوب المخلوقين، ويخلص عمله، ويصفيه عن شرك الشيطان، فلا بد من أن تصفى العين والمنبع حتى ينبع منها ماء صاف)..والمنبع الصافي الذي يعنيه الإمام هو القلب المتنور بنور التوحيد الخالص حيث أن الإنسان إذا ملك التوحيد قلبه، واستعمر نفسه فإن كل ما يصدر عنه سيكون خالصاً لله تعالى؛ ولهذا لا بد لمن أراد نيل درجة الإخلاص أن ينقّي قلبه من كل الشوائب الفكرية والعقائدية حتى يصل إلى درجة لا يرى مؤثراً في الوجود غير الله تعالى، وعند ذلك يستغني عن حاجة جلب أنظار الناس إليه لكسب قلوبهم ، ولينال عندهم مكاناً علياً . ولو وعينا مبادئنا بشكل صحيح وجسدناها في الواقع العملي لعرفنا أن المكانة في قلوب الناس لا تحصل إلا بإصلاح العلاقة مع الله تعالى، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه)..ويتفرع عن الإخلاص العقائدي الإخلاص الأخلاقي وهو(أن تتمثل وتؤدي أعمالك بسبب أن الله تعالى يأمر بها، وأنه أهل للعبادة، و واجب الطاعة بحسب رؤية العقل العملي للإنسان)..ومصداق ذلك ما جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام)..بقوله:(ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، لكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك)..والسر في ذلك أن الإسلام يريد للإنسان أن يتجرد في أعماله، وفي تهذيب أخلاقه وتزكية نفسه لله تعالى فإن (المسلك القرآني في تهذيب النفس لا يقوم على أساس الغايات والمصالح الدنيوية، وما يقال أن هذه الصفة محمودة عند الناس وتوفر للإنسان سعادة وراحة)..إذن عندما يتصف الإنسان بالأخلاق الحسنة لا لكي يكسب ثقة الناس ومحبتهم؛ وإنما لأجل أن التخلق بالخلق الحسن محمود عند الله، وهذا المعنى ينبعث من منبع التوحيد باستعمال معارفه العملية في صياغة الأخلاق الإسلامية التي تقوم على أساس رفع الرذائل النفسية بالمعارف الإلهية (وبالجملة إذا استحكم في القلب أصل التوحيد الفعلي للحق، وسقي بماء العلم التوأم بالعمل اللطيف الذي يقرع باب القلب، تكون نتيجته تذكر مقام الألوهية، ويصفى القلب للتجلي الفعلي للحق فإذا خلت الدار من الغدار والعش من الغش يتصرف فـي البيت صاحبه)..وهكذا إذا تشبعت النفس الإنسانية بالمعارف الإلهية، وبتوجه خالص لله فستنطبع تلك المعارف على صفحات القلب، وتشرق في كل صفحة صفة حميدة تبرز بشكل طبيعي في سلوك المخلص بلا تكلف فيها، وهذا هو الإخلاص العملي،وأقصد به تصفية العمل عن طلب رضا المخلوقين، وعن طلب حصول المقاصد الدنيوية الفانية، بل وحتى عن رؤية استحقاق الثواب على الأعمال الصالحة التي يقدمها العبد طاعة لله تعالى مع استقلال عمل الخير مهما بلغ، واستكثار عمل السوء مهما دق وصغر، ودلالة ذلك تساوي العمل في حـالة السر والعلن يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):(ومن لم يختلف سره وعلانيته، وفعله ومقالته فقد أدى الأمانة ،وأخلص العبادة) وهذا هو تمام الإخلاص العملي لله وكماله..ومن هنا تبرز أهمية الإخلاص في حياة المؤمن، وهذه الأهمية لا يمكن أن تحد بحدود هذه الألفاظ القاصرة خصوصاً إذا عرفنا أن العقيدة بدون وعي وإخلاص ألفاظ فارغة لا قيمة لها، بل تصبح هواء في شبك، وكفى الإخلاص عظمة بأنه كمال التوحيد، وبهذا يتبين لنا أهمية الإخلاص ويتجلى لنا معناه الحقيقي وهو: (تصفية معاني التنزيه في التوحيد كما قال الأول: هلك العاملون إلا العابدون، وهلك العابدون إلا العالمون، وهلك العالمون إلا الصادقون، وهلك الصادقون إلا المخلصون، وهلك المخلصون إلا المتقون، وهلك المتقون إلا الموقنون، وإن الموقنين لعلى خطر عظيم)وأما أهمية الإخلاص في المجال الأخلاقي فبدونه تكون الأخلاق الحسنة تصنع وتكلف ممقوت، سرعان ما تنقلب إلى عكسها في حالة عدم تحقق الدوافع الكامنة وراءها فإن غرض الإنسان من الكمال الخلقي إما أن يكون اقتناء (الفضيلة المحمودة عند الناس والثناء الجميل منهم…(أو) نيل السعادة الحقيقية للإنسان وهو استكمال الإيمان بالله وآياته، والخير الأخروي وهي سعادة وكمال في الواقع لا عند الناس فقط. ومع ذلك فالمسلكان يشتركان في أن الغاية القصوى والغرض فيها الفضيلة الإنسانية من حيث العمل).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.