حفارو القبور في النصف الأول من القرن العشرين

طارق حرب

«دشغلية» مقابر بغداد في النصف الاول من القرن العشرين هم العاملون في هذه المقابر ممن يتولون حفر القبور يوم كان الدفن مهنة تتولاها عوائل بغدادية وتتوارثها أباً عن جد مثل محمود الدشغلي حفار القبور في مقبرة الشيخ معروف، ودشغلي مقبرة الشيخ جنيد في الكرخ كانت تقتصر على عائلة القدسي، وكان في مقبرة الاعظمية ثلاثة من الدشغلية هم :سلمان رائد وصالح حوالة وعبد الستار، ودشغلية مقبرة الغزالي عائلة البطاوية ودشغلي مقبرة الشيخ عمر بيت الحاج عبد الفتاح، ومقابر بغداد حينذاك مقابر عامة، عدا من يسمح له الدفن في جامع كبير معين، كما هو حاصل لعائلة السويدي البغدادية، حيث صدر فرمان عثماني بدفن موتى هذه العائلة في جامع الشيخ معروف وكذلك هناك مدافن خاصة للشيوخ الصوفية، كون بعض الجوامع مكاناً لسكنى هؤلاء وكانت مقبرة الشيخ معروف الكرخي أكبر مقابر بغداد تليها في الرصاةه مقبرة الشيخ عمر السهروردي.
والمرحوم محمود الدشغلي حفار قبور مقبرة الشيخ معروف الذي يعرف عن ظهر قلب كل الاموات ومواضع دفنهم، لذلك يكفي ان يصل خبر موت أحدهم اليه حتى يقوم بواجب حفر القبر وتأمين لوازم الدفن من قماش وحبال وطابوق وطين ويبعث أحد مساعديه لاستقبال الجنازة والمشيعين واعلامهم بمحل الدفن في المكان المدفون فيه أقرباء الميت، كأبيه وجده، وقد توارث مهنة الدشغلية أبناء محمود الدشغلي بعد وفاته حيث ذكر لاولاده كل شيء عن هذه المهنة، وعن العوائل وأماكن الدفن في المقبرة، ومن طقوس عمله هو عدم دفن الميت على جثة ميت آخر، وان عمله كدغشلي ينتهي بالدفن، حيث يبدأ عمال خاصون ببناء القبر بالطابوق او بالطين المخلوط بالتبن، ولا بد من وجود مرمرة يكتب عليها اسم المتوفي وتاريخ وفاته. وهنالك محال عند جدار مقبرة الكرخ تتولى اعداد المرمرة التي توضع عند رأس القبر ويتم الاتفاق على نوعية المرمر ومساحتها والاسم وطبقا للمقدرة المالية لذوي الميت، وجرت العادة ان يخط فيها آيات كريمات أو حكم بالاضافة للاسم منها عبارة (هو الحي الباقي) و(لكل أجل كتاب) و(كل من عليها فان)، وعادة ما يحضر الفقراء عند الدفن حيث يوزع أهل المتوفى بعض المال عليهم واذا كان المتوفى امرأة أو مريضا، فإن الدشغلي يثبت على الارض سفة صغيرة من النخيل وقد تبنى غرف للقبر خاصة اذا كان المتوفى ثرياً او شابا او عريساً.
ومقبرة الشيخ جنيد البغدادي الصوفي حيث الدشغلي عائلة القدسي بأفرادها وعمالها والمدفونين فيها أهل الكرخ وقليل من أهل الرصافة، وحيث لم يجر العمل على دفن موتى الكرخ في مقابر الرصافة، في حين هنالك عوائل تسكن الرصافة ولكن دفن موتها يكون في مقابر الكرخ، وكذلك هناك مقبرة صغيرة الى الشمال من الكرخ هي مقبرة جامع براثا أو ما تسمى (المنطكه)، وهي مقبرة صغيرة يدفن فيها الفقراء الذين لا امكانية مالية لديهم للدفن في النجف وكربلاء كذلك مقبرة صغيرة أخرى، بين محلة الذهب وخطوط السكك الحديد هي مقبرة الحلاج وتوجد مقبرتان أخريان الاولى مقبرة النبي يوشع، حيث يدفن فيها أحبار الدين الموسوي ووجوه المكون اليهودي في بغداد، ويعدّ مقام النبي يوشع مزارا لأهل بغداد من اليهود للقدسية التي يمثلها المقام لدي اليهود البغداديين أما مقبرة اليهود الاخرى، فقد كانت شمال مقبرة الغزالي جنوب مقبرة الشيخ عمر ومكانها في كراج النهضة في الجزء الشرقي من باب الشيخ. وقد كانت مقبرة النبي يوشع محلا للنزاع بين يهود بغداد والحكومة العثمانية ورئيس بلدية الكرخ عبد الله الزيبق، وترتب على ذلك عزل رئيس البلدية عندما رفض دفن الحاخام سوميخ فيها وجرت العادة على ان يتم دفن موتى اليهود ليلا لأجل التستر عن عزرائيل أو لاجل عدم حصول اعتداء على الميت او من يشارك بالدفن.
وكانت هنالك مقبرة اخرى للهنود السيخ حيث يوجد قبر رجل دين من ملتهم اسمه (البابا نانك) قديس السيخ، حيث يكون مزارا ومقبرة لهم، ويبدو ان مرافقتهم للجيش البريطاني اثناء دخوله بغداد سنة 1917.
ومقبرة جامع الإمام الاعظم في شمال الرصافة وتسمى مقبرة البانوقة الابنة الكبرى للخليفة المهدي ثاني خلفاء بني العباس في بغداد، وتسمى مقبرة الخيزران زوجة هذا الخليفة وام الخليفة هارون الرشيد أو مقبرة الاعظمية، حيث هنالك ثلاثة لمهنة الدشغلي فيها وكانوا يتنازعون فيما بينهم الى أن سيطر هادي أبو شفه وأصبح هو الدغشلي الوحيد في مقبرة الاعظمية.
وأكبر مقبرة في رصافة بغداد مقبرة الشيخ عمر السهروردي والثانيه مقبرة الغزالي الى الحنوب منها ومجاور مقام الشيخ عبد القادر الكيلاني وطقوس الدفن متماثلة في جميع المقابر وعائلة البطاوية دشغلية مقبرة الغزالي، والحاج عبد الفتاح دشغلي مقبرة الشيخ عمر، وكانت هنالك مقبرة الاتراك قرب مدينة الطب الحالية ومقبرتان للانكليز احداهما شمالي بغداد، قرب الوزيرية شمالي باب المعظم، والثانية في نهاية معسكر الرشيد شمالي منطقة الزعفرانية ومقبرة الارمن مقبرة في ساحة الطيران، حيث قبر المس بيل وقبر المصارع الالماني الهر كرايمر، اما الجنرال مود قائد القوات البريطانية فانه مدفون في مقبرة الانكليز شمالي باب المعظم قرب الوزيرية. وفي الوزيرية كانت هنالك مقبره للالمان. وختاما لا بد ان نقول ان اسم الدشغلي كان لقبا لعائلة في الكرخ تتولى الدفن وتم استعماله لان حفار القبور اسم غير مستحب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.