الانضمون

فرحات جنيدي

في ذات يوم عدت من العمل مبكراً ولم أذهب الى المقهى كالمعتاد، وعلى باب المدخل وجدت عدداً من الجيران يتناقشون، وعندما اقتربت منهم أكثر انخفضت أصواتهم وتهامسوا ذكروا الجن وهم ينظرون لي, وحاولت أن أتجاهل هذا الجمع وأمضي في حالي فارتفع صوت مالكة البيت باسمي، فتوقفت وأنا أدعو الله أن يكون السبب خيراً. نظرت اليها فابتسمت وقالت بأسلوب راقٍ غير معتاد منها إن الأستاذ عبد الحكيم لم ينزل من البيت منذ يومين وكلنا نعيش في قلق عليه. فقلت: وما شأني أنا في هذا؟ قالت: نريدك أن تذهب لتطمئن عليه وتطمئننا. قلت باستغراب: ولِمَ أنا من دون سكان البيت؟ أنتم جميعاً موجودون ومجتمعون من قبل أن أحضر لماذا تنتظرونني أنا؟ ارتسمت حالة من الحرج على وجه الجميع فأسرع أحدهم وقال: لأنك أنت رجل ملتزم وهو يحب الملتزمين. وتشجع آخر وقال: أنت أستاذ مثله. لم أقتنع وكان عندي شك أني سوف أشهد الانضمون وأن يكون الرجل قد مات وتريد مالكة البيت أن تهرب من سؤال الشرطة حول أسباب وفاته أو أي شيء غامض غير أن يكون الهدف الاطمئنان على الأستاذ عبد الحكيم. قررت أن أكون الواد الجن وأن أذهب الى العجوز عبد الحكيم الذي يعيش في البيت المجاور وهو عجوز مسن يعيش منفرداً منذ سنوات، بعض الجيران يقولون إنه على هذه الحال منذ خمس سنوات، وآخرون يقولون إنه منذ عشر سنوات، أما مالكة البيت فتقول إنه منذ ست سنوات فقط توفيت زوجته ومنذ عام تعرضت بقية أسرته لحادث، توفوا جميعاً على إثره. لم أهتم كثيراً به ولا بأحد من الجيران، فإني من البيت للعمل وبين أصدقائي بعيداً عن البيت وسكانه. لكن ذلك العجوز لفت نظري اليه، فبرغم كل ما حدث له لكنه لم تتغير يوماً ابتسامته الصافية التي تضيء وجهه ولا أناقته واهتمامه الشديد بحذائه اللامع دائماً وانضباطه في الذهاب الى المسجد قبل كل صلاة بخمس دقائق. وقبل أن أطرق باب الأستاذ عبد الحكيم فتح العجوز الباب وعلى وجهه نفس الابتسامة المعهودة عنه وأخذني في حضنه وبكى وقال: أنت الشخص الوحيد الذي لم يتردد في المجيء وقبلت أن تزورني، تفضل ادخل سوف أصنع لك كوباً من الشاي. عشرات الأسئلة طرقت باب عقلي في لحظة، كيف عرف بما حدث من نقاش سكان البيت؟ وكيف عرف أني أنا آتٍ اليه ؟ ارتبكت وإبتسمت وإتجهت الى الخلف حيث السلم وأنا أؤمن الطريق للهروب من بين يديه، استسلمت ليده التى تسحبني الى الداخل، عندها ناداني مرة أخرى وقال لي: لو سمحت قم بتمزيق خيالاتك ودع الواقع يرسم أفكارك ودعك من كل تلك الأسئلة ، أنا هو، أنت في الكبر. إرتبكت أكثر وإهتز جسدي وثقلت قدماي ومضيت خلفه في استسلام ودقات قلبي يسمعها من في خارج الشقة، أتأمل المقعد الذي أجلس فيه والى نظافة الشقة وترتيب الأشياء وكلماته لي عند الباب، شعرت بطعم الانضمون، بل جاءني إيمان بأنى أتحدث وأجلس مع جن أو صاحب جن. تصبب العرق على عيني وحاولت أن ألملم نفسي، لم أستطع حتى أن أمسح عرقي. جاء العجوز بالشاي وزاد إرتباكي وقررت الهروب مع أول فرصة، وقلت له: هل عندك أية مشكلة يا أستاذ عبد الحكيم؟ ابتسم وقال: لا. قلت: هل أنت بصحة جيدة؟ ابتسم وقال: نعم. قلت: الحمد لله سأخبر الجيران أنك بخير. حاولت النهوض فأمسك بيدي مبتسماً وقال: والشاي؟ ألا تشرب الشاي الذي أعددته من أجلك؟ انه مجرد شاي ليست بالانضمون. قلت بارتباك: حسناً. فقال الرجل: أسأل سؤالاً؟ قلت: تفضل. قال: أنا أعيش بمفردي بتلك الشقة منذ أن رحلت أسرتي بحادث. ومالكة البيت تريد أن أموت أنا الآخر حتى تأخذ الشقة وتؤجرها بسعر جيد، كما أنت مستأجر الآن وأنا رجل أؤمن بالله وأؤمن أني لم آتِ الى هذه الدنيا ومعي مشاكل, وأني سأترك الدنيا ولن أخذ معي مشاكل وكما تراني أهتم بالدين والدنيا. قلت: نعم. قال: هذا البيت بيت عائلة وفوضت تلك المرأة للإدارة وأنا وأنت الأغراب بينهم ولهذا لم يستطع أحدهم أن يطرق بابي لأن ردي سيكون عنيفاً. قلت بعجل: والجن معك. قال: أمرِ لم تأتِ به، ولن يذهب معك. الأجدر ألا يأخذ منك كل هذا الهم فكن صبوراً على أمر الدنيا وليكن نظرك الى السماء أطول من نظرك الى الأرض يكن لك ما أردت. قلت: إذن أنت معك الجن فعلاً! ابتسم وقال: أنا رجل أتقي الله وأصلي وحفظني الله بالقرآن، كيف يكون معي جن؟ الجن في قلوبهم المريضة التى تقف على الباب بانتظار الموت حتى يأخذوا الشقة وما تصل اليه أيديهم ولكن سوف يأتيهم الانضمون قبل أن يأخذوا مني شيئا يا ولدي، عندما تكون وحدك فعليك أن تؤمن نفسك من غدر ابن آدم والزمان بالايمان بالله, والله يكشف لك النفوس المريضة والطيبة. اعرف من حولك يا ولدي ترتح وتؤمن نفسك من شر الدنيا، وهذا هو ما ينقصك فهيا اعرف نفسك واعرف من حولك ولا تترك شيئا للمفاجأة. انتظمت دقات قلبي وذاب الانضمون من فوق لساني وابتسمت.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.