واقع التدخل الإيراني في الانتخابات العراقية

احمد المقدادي

تتناول وسائل الاعلام -عربية وأجنبية- ما تصفه بتدخل إيران في الاوضاع الداخلية في شؤون جارها الغربي العراق-الدولة الاكثر سكانا في المشرق العربي- حتى ان صحيفة واشنطن بوست الاميركية كتبت بان هناك حرباً بالوكالة بين طهران وواشنطن في اختيار رئيس الوزراء العراقي الجديد. الصحف العربية وخاصة تلك التي تدور في الفلك السعودي والإماراتي تبالغ في هذا التدخل المزعوم الى الحد الذي تعدّه تهديدا للأمن القومي العربي وتصف فصائل الحشد التي قاتلت الجماعات الارهابية بالميليشيات الايرانية وتنعت شخصيات سياسية عراقية رفيعة بالتابعة لطهران. وإضافة الى وسائل الاعلام المشار اليها والتي تبالغ في التدخل الايراني المزعوم في العراق، يظهر سياسيون عرب أو غربيون ليعيدوا ما يكرره الاعلام المذكور ويتحدثوا بشكل مبهم وعام عن تدخل ايراني (غير مسموح به) في العراق ويطالبون بوقفه والكف عنه واحترام سيادة بلاد النهرين. لكن ما حقيقة التدخل الايراني المزعوم في العراق ؟ ما يصفوه بالتدخل هو وصف مزيف لعلاقات قوية تربط طهران مع أغلب السياسيين العراقيين –شيعة وسنة وأكراد- وقديمة منذ ان كانت تستضيف معارضين لنظام الطاغية صدام الذي كان يحظى بدعم عربي وغربي لقمع معارضيه وشن حرب ضد الجمهورية الاسلامية بُعيد انتصار ثورتها الشعبية العارمة. ويوم سقط النظام الدكتاتوري بفعل الغزو الاميركي المدعوم عربيا وخاصة من قبل السعودية، سارعت طهران الى الاعتراف بالعراق الجديد ونخبته السياسية الحاكمة بينما لجأت عواصم أخرى وبينها الرياض الى خيار المقاطعة أو تسهيل وتمويل الاعمال الارهابية ضد الحكام الجدد في العراق عندما أتت صناديق الاقتراع بما تشتهيه سفن تلك العواصم العربية. ويوم داهمت جماعة داعش الارهابية الاراضي العراقية واحتلت الموصل والفلوجة وتكريت وبيجي ووصلت الى مشارف بغداد، كان بعض الاعلام العربي ينقل الاخبار بشماتة استشعرها العراقي بكل ألم بينما اصطفت ايران مع قرار المرجعية الدينية في النجف الاشرف والهبة الشعبية في عموم العراق لتحرير الارض وحماية العرض فزودتهم بما يحتاجون من مستشارين عسكريين وعتاد وسلاح. العلاقات الايرانية مع العراق الجديد منذ 2005 لا تحتاج الى كثير اثبات بأنها علاقات غاية في المتانة والقوة والتماسك وبالتالي فان ايران ربما هي الدولة الوحيدة التي لا تحتاج الى تدخل في شؤون العراق ولا في انتخاباته لأنها مطمئنة الى نخبته السياسية والى خياراتها ومساراتها. ومن لا يطمئن الى هذه النخبة وخياراتها ومساراتها هو من يحتاج الى التدخل بالمال والنفوذ والابتزاز أو تقديم تنازلات مؤلمة نتيجة حساباته الخاطئة واستثماره في قرارات مقاطعة بغداد وعزلها أو في مشاغلة ابناء الرافدين بالجماعات المسلحة الارهابية لإفشال تجربتهم الديمقراطية ومحاولة تحويلها الى فوضى وعنف ودماء وبالتالي لا تكون هذه التجربة طموحاً لشعوب أخرى تعاني حكم العوائل وتتحسر على انتخابات عامة نزيهة وحقيقية. وبناء على ما تقدم، وبينما ايران هادئة ومطمئنة الى الوضع السياسي العراقي وخياراته، تنهمك الولايات المتحدة والسعودية في جهود كبيرة من خلال النفوذ والمال للتدخل في القرار العراقي لعلها تحقق مصالحها. وواشنطن والرياض يعلمان أنهما تأخرا كثيرا وارتكبا الكثير من الاخطاء ضد الشعب العراقي وعليهما ان يقدما اعتذارات أو تنازلات لعلهما يكسبان ثقة العراقيين. وبعد كل هذا، فطهران التي تحتفظ بعلاقات وتعاون وثيقين ببغداد، ليست بحاجة الى تدخل كما يزعمون ويدعون ويتهمون بينما من اخطأ بحق العراقيين يحاول التدخل بأية وسيلة ممكنة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.