نتائج الانتخابات في العراق و «التورّط» بالسلطة

محمود الهاشمي
ربما لم ينشغل أحد من السياسيين بـ{العازفين} عن الانتخابات وكأنهم مجرد أفراد منعهم {الكسل} من المشاركة في الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الجمعة الماضية وعليهم أن يتحملوا وزر {عزوفهم}. الذين لم يشاركوا في الانتخابات {من الذين يحق لهم المشاركة} يشكلون الثلثين من العدد , وان الذين شاركوا هم الثلث فقط , ولابد أن ندرك خطورة هؤلاء على مستقبل العملية السياسية في البلد , خاصة وأن العدد الاكبر من {العازفين} هم من الوسط الثقافي ومن سكنة المدن المتحضرة , وأن إهمالهم يعني تجاوز المعاني التي من أجلها عزفوا عن المشاركة . الكتل السياسية ليس لديها مثل هذا الاعتقاد فهي ترى أن الانتخابات جرت ومن من يلحق بالركب فقد فاته {السفر} وأن على من {رفض} المشاركة أن يقرّ بـ{خطأه} وينتظر نتائج المفاوضات , التي ستنتج {الكتلة الاكبر} داخل البرلمان , وهي من ستصنع له الحكومة المقبلة , وليس له سوى الرضوخ للأمر الواقع وتقبّل اسماء الوزراء والمسؤولين الذين تم اختيارهم من قبل الكتل المتحالفة , وفقا لمبدأ {الشراكة} الذي هو سمة العملية السياسية , وليس لأحد حق الاعتراض فالوزراء متنوعون بتنوع طوائف وأعراقهم, وهم {أكاديميون وتكنوقراط} حتى لو حصلوا على شهاداتهم قبل اسابيع ومن أي جامعة كانت . الذين عزفوا عن الانتخابات كانت لهم أسباب اعلنوها منها:-
النقمة من طبقة السياسيين الذين كانوا ومازالوا سبب دمار البلد وخرابه. الاعتقاد بأن نظام {المحاصصة والشراكة والتوافق} وراء عدم صناعة دولة قوية , وسبب للفساد الاداري والمالي . الاعتقاد بأن مساحة التدخلات الخارجية في الشأن العراقي واسعة . لا شك هناك اسباب كثيرة لا مجال لذكرها , منعت {الثلثين} من العراقيين من المشاركة , ومازالوا على رأيهم حتى هذه الساعة , وهنا نسأل:- هل أن الذين شاركوا وعادت سلالهم ملأى بالمقاعد والأصوات وكانوا هم {الفائزون} يدركون أمامهم التحديات الاتية:- أن العراق مطلوب 16٠ مليار دولار الى البنك الدولي ودول اخرى ولابد من الايفاء بها , وقد وضع البنك والدول شروطهم الصعبة لاستيفائها . أن منظمة اليونسكو في تقريرها الاخير أكدت أن مستوى الامية ارتفع الى الخمسين بالمائة . وهبوط عام في مستوى التعليم العالي. أن نسبة البطالة ارتفعت الى 3٢% , وهي نسبة لم تصلها حتى الدول المتخلفة , وأن الجامعات العراقية تخرّج سنويا 15٠ الف طالب بمختلف الاختصاصات , فيما فرض البنك الدولي على العراق عدم التعيين في دوائر الدولة حتى عام ٢٠٢٢م بل لا يحق للحكومة العراقية الاستفادة من ملاك المتقاعدين في تعيين بديل عنهم . أن الفساد الاداري والمالي ضارب في مفاصل الدولة لدرجة ان منظمة الشفافية صنّفتنا الاول عالميا في هذا المجال . أن ثلاثة ملايين مواطن يسكنون العشوائيات وأن بيوت العراقيين تحولت الى مغارات بسبب ازمة السكن . وبذا فنحن بحاجة الى بناء ستة ملايين وحدة سكنية من البنى التحتية والخدمات شبه منهارة , والحكومة عاجزة عن تبليط الشارع الدولي المليء بالحفر , وعاجزة عن أن تضع لوحات مرورية على الطرقات . توقف وعطل جميع المصانع والمعامل في البلد , مقابل أن الدولة تدفع للعاملين رواتب شهرية مجزية , فأغلبهم من العمال المهرة والمهندسين . في ذات الوقت فأن البلد فقد جذوره وأساساته العلمية والحرفية بسبب البطالة , ونزوح أغلبهم الى الاحالة على التقاعد . وجود أعداد هائلة من الفائضين عن العمل في دوائر الدولة بعد أن {فرضتهم} الأحزاب السياسية وهؤلاء يشكلون بطالة وثقلا ماليا على الدولة . سيطرة المافيات السياسية والعصابات على المنافذ الحدودية وما في ذلك من خطر على اقتصاد البلد. مازال الوضع في إقليم كردستان غير مستقر وأن نزعة {الانفصال} قائمة في ثقافتهم حتى انها كانت وسيلة لكسب الاصوات في الانتخابات . موقف المرجعية بالنجف من الانتخابات وانتقادها لطبقة السياسيين , وشعورها بـ{الخيبة} من ادائهم على مدى جميع فترات ادارة الدولة . وضع العراق وما فيه من فساد اداري ومالي , يعد بيئة طاردة للاستثمار. مشكلة المياه وحصة العراق , وتدهور الوضع الزراعي والصناعي . مشكلة الارتباطات الخارجية للأحزاب . حصر السلاح بيد الدولة . المناكفات السياسية وتعطيل القوانين . هذه الاسباب وغيرها دعت هذا العدد الكبير من ابناء الشعب العراقي للعزوف عن الانتخابات , فيما مازال الاعتقاد لدى ذات الاوساط ان {الكتل الفائزة} ستستخدم ذات الادوات والآليات لصناعة الحكومة المقبلة من توزيع الامتيازات ومؤسسات الدولة وفقا لنتائج الانتخابات , وسيغيب المواطن وهمومه عن ساحة المفاوضات , وسنجد أنفسنا أمام أسماء وعناوين {لا تشبهنا ولا نشبهها} يبقون طوع إمرة {أولياء أمورهم} الذين منحوهم المناصب , وسنسمع ذات الاسطوانة القديمة {لستُ الوحيد في ادارة الحكومة} , خاصة وان الانتخابات لم تفرز لنا كتلة غالبة , وأن الاشارة واضحة جاءت من الولايات المتحدة في التهنئة بمناسبة اجراء الانتخابات {حكومة شاملة} . الاغلب الذي لم يشارك في الانتخابات يدرك جيدا أن الذين شاركوا هم الموالون للكتل والأحزاب الحاكمة , وهؤلاء {المشاركون} سيكونون جزءا من حالة الصراع التي ستنشأ بين الكتل سواء اثناء عملية تشكيل الحكومة أو بعدها, وان من يستثنى من {التشكيل الحكومي} وقد حصل على ارقام متميزة لا يمكنه {القبول} أن يكون معارضا , بل سيعدها {مؤامرة} وعندها ستتدخل دول الجوار بكل ثقلها لإنقاذه , ناهيك عن أن الماكنات الاعلامية ستدفع بنا الى المزيد من {الازمات} وإذا ما كتب {صعلوك} جملة بأقصى الارض على موقعه ستجدها بعد دقائق في وسائل الاعلام . لا أعتقد أن لدى الاحزاب الفائزة وغير الفائزة رؤية في خلق بيئة قادرة على استيعاب الجميع ودمجهم في مشروع {الدولة} وأن يرقوا الى تجاوز أخطاء الامس ومحاولة الاستفادة من كل الطاقات للعمل معا في بناء العراق , وفي كل الاحوال , فأن السلطة {ورطة} ومن أراد أن يتصدى لها فعليه أن يتحمل وزر من أنتخبه لأنه سيطالبه بـ{الامتيازات} التي وعدهم بها ووزر من {عزفوا} عن المشاركة كونهم قرؤوا نتائج الانتخابات وتداعياتها مستقبلا , فلم يلطخوا أصابعهم بالحبر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.