ظاهرة زواج الأقارب

عَلَى خلافِ مَا يعتقد البعض، مَنْ غيابِ ظاهرة زواج الأقارب فِي بلدانِ العالم خارج منطقتنا، واقتصارها عَلَى البلدانِ العربية، فإنَّ واقعَ الحال يشير إلى انتشارِها فِي بلدانٍ عدة مثل الهند، اليابان، وسط أفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل لَعَلَّ مِن أكثرِ الظواهر الاجتماعية الَّتِي قد تبدو غريبة جداً هو انتشار زواج الأقارب فِي بعضِ البلدان الأوروبية، وَلاسيَّما إسبانيا. وتشير النتائج المتحصلة مِن الدراساتِ الحديثة إلى أنَّ متوسطَ نسبة زواج الأقارب فِي العالم تصل إلى نحوِ (10%)، إلا أنَّ تلك الظاهرة تنتشر بشكلٍ واسع فِي البلدانِ العربية، حيث يرى المتخصصون أنَّ كلَّ زيجة فِي تلك البلدان تقابلها تقريباً حالة زواج أقارب، فقد حظيت الأردن بنصيبِ الأسد في زواج الأقارب بمعدلِ (32%) مِنْ إجمالي نسبة الزيجات، فِينا تحتل السعودية المرتبة الثانية بمعدل (31%)، يليها العراق فِي المرتبة الثالثة بنسبةٍ قدرها (29%)، ثم الإمارات بمعدل (26%)، تعقبها البحرين بنسبة بلغت (21%)، فِي حين احتلت مصر المرتبة الأخيرة بمعدل(11%).
عَلَى الرغمِ مِنْ ارتفاعِ معدلات زواج الأقارب فِي البلدانِ العربية بالاستنادِ إلى البياناتِ المذكورة آنفاً؛ إلا أنَّ التقدمَ العلمي كان له أثر كبير فِي توعيةِ المجتمعات عَنْ أضرارِ زواج الأقارب والحث عَلَى ضرورةِ الوقاية مِن خطورته المحتملة، وَلاسيَّما التطور الَّذِي شهده علم الأجنة تحديداً، حيث أصبح مِن السهلِ تحديد سلامة الجنين أو إصابته بمرضٍ وراثي. يضاف إلى ذلك ما أعلنته نتائج المسح الوراثي الَّذِي أجراه عدد مِن المراكزِ البحثية عَنْ تأثيرِ زواج الأقارب في المولودين حديثاً، وَالَّتِي كشفت عَنْ أنَّ الأطفالَ الذين يولدون لأمٍ وأب مِنْ نفسِ العائلة، تكون أوزانهم أقل مَن المعدلِ الطبيعي عند الولادة؛ إذ أنَّ هؤلاءَ الأطفال يكونون أقل وزناً، عند مقارنتهم مع نظرائِهم، فضلاً عَنْ أنَّ عمليةَ الولادة ذاتها قد تتسبب فِي جعلِ الأم عرضة للولادةِ المبكرة، بالإضافةِ إلى زيادةِ فرصة إجراء الولادة القيصرية. وهو الأمر الَّذِي ساهم فِي الحدِ مِنْ انتشارِ هذا النوع مِن الزيجاتِ فِي البلدانِ العربية.
فِي السياقِ ذاته، أجرى مؤخراً مجموعة مِنْ علماءِ الوراثة بالمركزِ القومي للبحوثِ فِي مصر دراسة حول زواج الأقارب والعيوب الخلقية، أخضعت خلالها شريحة مكونة مِنْ (100) حالة لأطفالٍ يعانون مِنْ اختلالٍ عقلي، وأثبتت نتائج تلك الدراسة أنَّ هذا النوع مِن الزواجِ يؤثر في إنجابِ أطفال مصابين بتشوهاتٍ وعيوب خلقية، حيث أظهرت أنَّ نسبةَ (65%) مِن الأطفالِ كانوا لأبٍ وأم مِنْ نفسِ العائلة. وَمِنْ بَيْنَ ما أظهرته تلك الدراسة مِنْ نتائجٍ مهمة هو أنَّ تعرضَ الأطفال لتشوهاتٍ وعيوب خلقية، تعود أسبابها إلى حملِ الأم والأب الأمراض الوراثية، إلا أنَّ أعراضَها لا تظهر عليهما بشكل واضح، ولكن المشكلة تتمثل فِي انتقالِ الجينات الوراثية محملة بالمرضِ إلى الأطفال بعد الحمل.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.