التنمية الإنسانية في عهد الإمام علي عليه السلام

حين نقرأ سيرة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أثناء توليه الخلافة والحكم، ونتأمل رسائله للولاة والموظفين، وخطابه لجمهور الناس، نجد أنه كان مهموماً بتطوير حياة أبناء الأمة، وتنميتها في مختلف المجالات، وحسب مصطلح اليوم كان مهتماً بالتنمية البشرية، ولم يكن مجرد زعيم ديني يعنيه نشر العقيدة وتطبيق الشريعة فحسب، ولا مجرد حاكم سياسي يهمه توطيد سلطته وحكمه، بل كان صاحب مشروع حضاري يستهدف إسعاد الإنسان وتفجير طاقاته وكفاءاته، ليتمتع بحياة كريمة، ويتجه إلى الفاعلية والإنتاج، وذلك هو المقصد الأساس للعقيدة والشريعة.ففي مجال التنمية السياسية، يشجع الإمام علي (عليه السلام) الناس على الجهر بآرائهم السياسية، وأن لا يترددوا في الاعتراض على الخطأ أمام الحاكم، وأن لا يتعاملوا مع الحاكم بمنطق التملق والتزلف. يقول :(فَلا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، ولا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ-أي عند أهل الغضب- ولا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ -أي بالمجاملة- ولا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالاً فِي حَقٍّ قِيلَ لِي ولا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ فَلا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ ولا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي) .وقد أعلن الإمام أمام الناس ضمانه لحقوق المعارضة، وعدم مضايقتهم اجتماعياً، والضغط عليهم اقتصادياً، ولا استخدام العنف ضدهم، ما دامت معارضتهم سلمية لم يشهروا فيها السلاح..وجاء في دعائم الإسلام أنه خطب بالكوفة فقام رجل من الخوارج فقال: لا حكم إلا لله، فسكت علي، ثم قام آخر وآخر، فلما أكثروا عليه قال : (كلمة حق يراد بها باطل، لكم عندنا ثلاث خصال: لا نمنعكم من مساجد الله أن تصلوا فيها، ولا نمنعكم الفيء ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بحرب حتى تبدؤونا به) .وفي مجال التنمية الاقتصادية، وتوفير حاجات المواطنين، نجد نصاً منقولاً في أكثر من مصدر تاريخي، أن علياً خاطب أهل الكوفة قائلاً: (ما أصبح في الكوفة أحد إلا ناعماً-أي مرفَّهاً-، وإن أدناهم منزلة ليأكل من البر، ويجلس في الظل -له مسكن-، ويشرب من ماء الفرات) .، والكوفة في ذلك الوقت، كانت مصراً عظيماً، ذات كثافة سكانية، وتنوع في الأعراق، يقطنه أناس من مختلف الأمصار، ومن مختلف البقاع، فيها عرب من مختلف قبائلهم، وفيها موالي أي عجم، وفيها عسكريون، وفيها مدنيون، وفيها أنواع من الناس بتوجهاتهم الفكرية المختلفة، فيها من كان يحب الإمام ، وفيها من كان يناوئه.وكان الإمام علي (عليه السلام) يحمل قلقاً وهمًّا لاحتمال وجود حالة فقر في المناطق البعيدة عن مقرّ خلافته، يقول (ولَوْ شِئْتُ لاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ، ولُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ، ونَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ، ولَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، ويَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأطْعِمَةِ ولَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، ولا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ)..ويمكننا أن نلحظ أن توجهات الإمام في تحقيق التنمية الإنسانية في أبعادها المختلفة، كانت تعتمد ثلاثة مناهج:-
• الأول: استنهاض الإنسان ليمارس دوره الفاعل في الحياة، وليفجر طاقاته الكامنة، وليتسلح بالطموح وعلو الهمة.. وفي ما نقل من كلام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة وغيره من المصادر ثروة هائلة عظيمة على هذا الصعيد.
• الثاني: دعوة الناس للتعاون فيما بينهم، والتطوع لخدمة بعضهم بعضاً، والاهتمام بمناطق الضعف والحاجة في المجتمع، بما نطلق عليه الآن العمل الأهلي التطوعي، كقوله في وصيته للحسنين: (أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ، وأَلا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وإِنْ بَغَتْكُمَا، ولا تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا، وقُولا بِالْحَقِّ، واعْمَلا لِلأجْر،ِ وكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً، ولِلْمَظْلُومِ عَوْناً. أُوصِيكُمَا وجَمِيعَ وَلَدِي وأَهْلِي ومَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ، ونَظْمِ أَمْرِكُمْ، وصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا يَقُولُ (صَلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاةِ والصِّيَامِ). اللَّهَ اللَّهَ فِي الأيْتَامِ، فَلا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ، ولا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ) .
• الثالث: وضع سياسة الدولة في خدمة التنمية، وهذا ما تؤكده سيرة الإمام مع الشعب، وتوجيهاته للولاة والموظفين، ومن أبرزها واشملها عهده لمالك الأشتر حين ولاه مصر.
حيث يؤكد الإمام في فقرات هذا العهد على تطبيق العدل والمساواة بين المواطنين، وحفظ حقوقهم المادية والمعنوية، وإن اختلفت أديانهم وتوجهاتهم، يقول : (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ، واللُّطْفَ بِهِمْ، ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ).
إن عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر يشكل وثيقة سياسية تربوية رائعة، ولا ينبغي أن نقرأه بعدّه برنامجاً للحاكم فقط، بل علينا أن نستلهم منه الرؤية لدور المجتمع في انجاز التنمية الشاملة.
ولعلها إحدى المشكلات الغريبة جداً حين نجد أن بعضنا لا يهمه السعي نحو تحمل المسؤولية تجاه ذاته، فضلاً عن سعيه نحو تحمل المسؤولية تجاه غيره من الناس، فتجد الواحد من هؤلاء يعيش الفقر ويستسلم له، ويعيش البطالة ويخضع لها، ويعيش الجهل ولا يسعى لمواصله التعليم وكسب المعرفة.
من هنا نحن بحاجة إلى الثقافة التي تفتح أمام الناس آفاق الطموح والتطلع في هذه الحياة، والتي تزيح من أمامهم الحواجز المانعة من الانطلاق والعمل.
وينبغي على الخطباء الدينيين والمؤسسات الدينية والإعلامية التشديد على زرع ثقافة التنمية والطموح والرغبة في التقدم والفاعلية والعمل عند الناس.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.