معركة «الردح» الوطنية..!

ثمة حديث لذيذ لا أمل من تكراره، وكلما كررته؛ أشعر أني لم أكتب ما أريده بعد! فالحديث عن الألم والأوجاع؛ يفتح بوابات الذكريات على مصاريعها، ومطالب الجياع والمحرومين لذيذة، وإن كانت تعتصرني ألما، وأحتراف الكتابة عن الألم ليست سادية، بقدر ما تشعر الكاتب بلذة الأنتماء، الى مجتمع الفقراء والمستضعفين.
ليس ترفا أو نزقا فكريا؛ أن أكتب عن الفقراء، ولن يبرح ذاكرتي منظر قميصي اليتيم، الذي رافقني من الصف الأول الى الصف السادس الأبتدائي، وما زلت أتذكر الدشداشة التي ألبسها كقميص؛ أعبئ نصفها تحت البنطلون، وما زلت أتذكر الحذاء الذي يكبر قدمي، نعبئ مقدمته بالورق، حتى يصلح أن ألبسه..هو ذلك الزمن المؤلم، الذي يسميه الشيوعيون اليوم بالزمن الجميل.
قصة قميصي، كقصة قميص عثمان لا أمل من نشرها، ولا أشعر بحرج من أن يعرفها «الفايخين البطرانين»، أنشرها كلما أردت إعادة العزف، على وتر حقوق المواطن، المحروم خيرات الوطن، قميص طفولتي هو ما يوقظ فيَّ الأنتماء؛ الى السواد الأعظم من أبناء شعب، لم أنتم اليه بالصدفة!
لا أكتمكم ، إفتخاري الزائد عن اللزوم، بأني منتمِ الى الضعفاء والمحرومين، وأن وثيقة إنتمائي هي قميص طفولتي، الذي تطور فيما بعد، ليكون منظومة قيم أؤمن بها، أعرف من خلالها، من أنا وما عليَّ وما على الآخرين.
عندما كبرت عرفت أن ذاك القميص، يمثل غطاء وطنيتي ومواطنتي، وهو ما رسخ معانيهما المقننة عندي، وهو ما علمني الأخذ والعطاء.
علمني قميص طفولتي أن العطاء يأتي قبلا، وأن ليس معقولا أن نشتري سلعة بلا ثمن، وأن المواطنة «سلعة» ثمينة جدا، والوطنية «ثمنها»، خلافا لإعتقاد أصدقائي الشيوعيين، الذين يريدون من الوطن كل شيء، مقابل أن يعطوه لا شيء..
حينما أشتدت وطأة الظلم الصدامي، على أهلي فقراء الجنوب، قارعوه بلا هوادة، وقاتلوه بشراسة، فيما هرب «الوطنيين الشيوعيين» الى أوربا، وهناك «ناضلوا» ضد صدام من الحانات والمباغي، وحينما هاجم الجراد الداعشي وطني، قاتله أهلي الفقراء المستضعفون حتى هزموه، فيما بقي الشيوعيون ومعهم أدعياء التمدين، يردحون في ساحة التحرير، مطالبين بفتح الملاهي والبارات ومحال الرذيلة، فكان لهم ما أرادوا، وأنتصروا بمعركة الردح الوطنية..!
المواطنة منظومة تبادلية، أخذ وعطاء، حقوق وواجبات، طرفاها الوطن والمواطن، وعلى الطرفين؛ أن يلتزما بما يترتب عليهما إلتزاما تاما، ولأن الوطن أب والمواطنين ابناء، والأبناء دوما بحاجة الى الأب وتحت رعايته، فيفترض ان تكون إلتزامات الوطن تجاه مواطنيه؛ هي الأولى في التنفيذ، وهم بهذا المعنى عليهم الذود عن حمى الأب، وإحترامه وطاعته وتوقيره وتبجيله.
كلام قبل السلام: الخلل في هذه المفاهيم يعني عقوقا، لأن الولاء لا يتحصل إلا بالعطاء..!
سلام…

قاسم العجرش

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.