الوسطية منهج العاجزين..!

كنت قد كتبت ههنا؛ في عدد 22/5/2018؛ عمودا كان عنوانه « الوسطية السياسية مسلك إنتهازي حقير..!» ويبدو أن هذا العمود؛ لفت إنتباه زعيم سياسي بعينه، فتخيل أنه كان مقصوداً بما كتبناه، والذي خلصنا فيه الى رأي مؤداه، أن الوسطية تعني الوقوف الى جانب الباطل، فيما الاعتدال موقف مسؤول الى جانب الحق.
النتيجة أن الرجل أثبت «وسطيته»، عندما جيّش جيوشه الفيسبوكية ضدي، فانهالت عليًّ أولا الاستفسارات، من مقربين منه، ثم ما لبثت الاستفسارات، أن تحولت الى هجمات منسقة، سرعان ما أصبحت بذاءات وشتائم، لكني وبقدر ما لم أعرها اهتماما يذكر، فرحتُ بها وتلقيتها بصدر رحب، لأني تأكدت أن فكرتي عن الوسطية صحيحة تماما!
هم يتحدثون عن أن الوسطية؛ تعني إمساك العصا من المنتصف، فيبقى المرء متوازنا، قادراً على اتخاذ القرار المناسب؛ في الوقت الصحيح، لكن بالحقيقة أن هذا المسلك، يعني أنه لا يمتلك مبدئية في تعاطيه مع الأحداث، وأنه ينتظر مواقف الآخرين، لكي يقرر ما يجب أن يفعله، «القرار المناسب» لا يعني «الموقف الصائب»، وبمعنى أوضح أنه إنتهازي إبتداءا، لأنه عمل على إتخاذ القرار «المناسب» له، وليس القرار «الصحيح»، فضلا عن أنه لم ينصر الحق من أول القصة!
يحضرني هنا نص عظيم، هو واحد من روائع جبران خليل جبران، وفي النص رسم ملامح صادقة، لما بات يعرف اليوم بالوسطية؛ يقول جبران:
«لا تجالس أنصاف العشاق، ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل.
إذا صمتّ..فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت..فتكلّم حتى النهاية، لا تصمت كي تتكلم، ولا تتكلم كي تصمت، إذا رضيت فعبّر عن رضاك، لا تصطنع نصف رضاً، وإذا رفضت..فعبّر عن رفضك، لأن نصف الرفض قبول..!
النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجّلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها..النصف هو ما يجعلك غريباً؛ عن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك، النصف هو أن تصل وأن لا تصل، أن تعمل وأن لا تعمل، أن تغيب وأن تحضر..النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت.. إنك لم تعرف من أنت.»..انتهى..
الحقيقة أن النصف هو أن لا تعرف من أنت..ومن تحب ليس نصفك الآخر..هو أنت في مكان آخر، في الوقت نفسه نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك، نصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة.
كلام قبل السلام: النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز..لأنك لست نصف إنسان..أنت إنسان..وجدت كي تعيش الحياة، وليس كي تعيش نصف حياة..!
سلام…

 

قاسم العجرش

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.