القاص والكاتب الليبي حسين نصيب المالكي: ليبيا دولة عربية مسلمة شريعتها القرآن و لغتها العربية.. و يجب الحفاظ على التراث الامازيغي

المراقب العراقي/ جمال بوزيان ـ الجزائر

ضيْف اليومَ؛ أُنموذج فريد من نوعه، نَظرًا لِما مَرَّ به مِن أحداث في صِباه وشبابه، هو من جيل تَجرّع ألوان الـمُعاناة، لكنّه قَدّم خدمات جليلة لبلده في مجالات التّعليم والجيش والصّحافة والأدب… هو كاتب صحفيّ؛ وصاحب رأي؛ وقاصّ؛ وباحث في المأثور الشّعبيّ؛ قامة تَفخر بها ليبيا وتَزخر… سألتُه عن عمله بالصّحافة؛ وتجربته القصصيّة؛ ودراساته وتحقيقاته، وعنِ التّسيير الإداريّ للمؤسّسات الإعلاميّة والصّحفيّة والثّقافيّة في عهد القذّافيّ وما بعد ثورة 18 فبراير 2012 م؛ وحاجة ليبيا لـمَشروع ثقافيّ مُتوازِن، لا سيما أنّ في ليبيا تَنوّعًا ثقافيًّا ذا مخزون هائل؛ يَستطيع الفرز جيِّدًا بيْن التّبعيّة والاستقلال التّامّ والتّنمية؛ ويُمْكِن للصّفوة الثّقافيّة اللّيبيّة زرع الأمل عبْر استثمار ثقافيّ ناهض يَبدأ بتَجميع الجهود وترشيد النّفقات وربح الوقت في نَشر الكِتاب؛ وتنشيط الـمَسرَح؛ وإنتاج الأفلام الوثائقيّة والسّينمائيّة؛ وغيرها.
* مَرحبًا بكَ.
ـ أهلًا بكَ.
* مَن حُسيْن نصيب المالكيّ؟
ـ حُسيْن نصيب المالكي، وُلدتُ عام 1953 م في طبرق، ترعرعتُ وعشتُ في حي شعبي اسمه «الحطية»، أكواخه متلاصقة، أبوابه مشرعة دائما، ناسه من الفقراء… وُلِدتُ من أبوين أُميين، لي شقيقان وشقيقة واحدة، جميع إخوتي أصغر مني سنا، أُسرتنا مُكافِحة بامتياز. درَستُ في الـمَدرسة القرآنية التابعة لجامعة محمد بن علي الإسلامية، حفظتُ أجزاء من القرآن حتى الصف السادس، ثم انتقلتُ إلى مَدرسة المعارف ودرَستُ الإعدادية في مَدرسة الضاحية الإعدادية والثانوية، وحصلتُ على «دبلوم» خاص لغة عربية من معهد المعلمين عام 1974 م، اشتغلتُ به في حقل التدريس والتفتيش في قرى طبرق وضواحيها لعدة سنوات… وُجِّهْتُ إلى كُلِّيّة الشعب المسلح عام 1983 م، وتخرجتُ منها عام 1985 م تخصص «علوم عسكرية» برتبة ملازم ثانٍ في الجيش، عملتُ في مكتب التوجيه المعنوي فترة، كان المقدم خليفة حفتر آمرا للمنطقة العسكرية طبرق عام 1986 م وقبل مغادرته إلى تشاد المرة الثانية. عن نفسي، إنسان مُتواضِع، مُكافِح، مُثابِر… أُحِب الخير للجميع، لَمْ أُقدِّم في حياتي إساءة لأحد، أُحِب القراءة والاطلاع حبا جما… من هواياتي، اقتناء الكتب والصحف والمجلات الأدبية منذ الصغر… سيرتي في كِتابي «منَ الذّاكرة»، صَدر عام 2015 م عن دار الـمُستقبَل بالقاهرة.
* كيْف بدأتَ الكتابة الصّحفيّة؟
ـ بدأتُ في الكتابة الصحفية عبر الصحف والمجلات الليبية في «الفجر الجديد» و»الأسبوع الثقافي» منذ أواخر السبعينيات تحت اسم مستعار في البداية «سالمة نصيب»، ثم بعد ذلك كَتبتُ باسمي «حُسيْن نصيب». وبعد ذلك أسستُ صحيفة «البطنان» عام 1986 م، واخترتُ لها في أُسرة التحرير خيرة الصحفيين والإعلاميين في البطنان مِثل الراحل يونس أحمد بشير، والراحل سعيد خير الله صالح، والمصور عبد العليم الصاوي، والقاص حَسن السوسي، والإعلامي الرياضي عبد الله عياد الشريف، وعبد السلام شلوف مشرفا عليها في بنغازي، والشاعر الراحل محمد عبد الله المحجوب مدققا لغويا لها. تلك الصحيفة استمرتْ لأكثر من عشرين عاما، واستقطبتِ الكثير منَ الأدباء والكُتّاب إليها، وتجددتْ أُسر تحريرها لعدة سنوات وعدة مرات، واحتضنتِ العديد منَ الأقلام والكُتّاب في القصة والشِّعر والمقالة، وأصبحت اليوم لها مكانتها الأدبية والقصصية. ثم أسستُ مكتبا لـ»مؤسسة الصحافة» بطبرق، أصبح فيما بعد يتبع هيئة دعم وتشجيع الصحافة، ثم أسستُ موقع «الصياد الثقافي» الإلكتروني، وكتبتُ في العديد منَ الصحف والمجلات الليبية، وكنتُ عضوا بصحيفة «المختار» وعضوا بصحيفة «المبادرة» وعضو أُسرة تحرير بصحيفة «المدينة البيضاء»… وكَتبتُ في صحيفة «العرب» اللندنية، قَدّمتُ برنامج «كِتاب وكاتِب» في إذاعة طبرق المحلية… وترأستُ تحرير صحيفة «صدى البرلمان» الصادرة عن ديوان مجلس النواب الليبي.
* ألا تُلاحظ انتفاء الالتزام أحيانًا بمواثيق الشّرف من أهْل الإعلام والصّحافة وطنيًّا وعربيًّا ودوليًّا؟
ـ أجل، لكنِ الـمَأمول هو الالتزام ـ كل الالتزام ـ بمواثيق الشرف من أهل الإعلام والصحافة وطنيا وعربيا ودوليا.
* كيْف اتّجهتَ نحو الكتابة الأدبيّة؟
ـ كَتبتُ القصة القصيرة منذ الفترة الإعدادية، وأصدرتُ أول مجموعة قصصية «مقبولة» عام 1979 م، ثم «وتجسد الحلم» عام 1984 م، وتوالتِ مجموعات قصصية منها «الرَّجُل والنَّورس» عام 2010 م، و»الطيار البرونزي» عام 2017 م، و»ملك الوز» عام 2018 م، ثم «النّوارس» عام 2018 م.
* فضلًا؛ اتحفِ القرّاء بقصّة من قصصكَ القصيرة جدًّا.
ـ لديّ قصة قصيرة جدا، نُشِرتْ في المجموعة القصصية «الطيار البرونزي» بعنوان الوفاء.
«فقدتُه صغيرة فلم تعرف أحدا بعده».
وقصة أُخرى من المجموعة القصصية نفسها «سُرَّتْ كثيرا بابنها ليلة زفافه، وبعد أشهر طردتُه من بيتها هو وزوجته».
* ما تقييم النّقّاد لتجربتكَ القصصيّة؟
ـ كَتب العديد من النقاد عن تجربتي القصصية، منهم الدكتور الراحل طه وادي من مصر، والدكتور عمر بن قينة من الجزائر، ومن سورية محسن يوسف، ومن النقاد والكُتاب الليبيين الدكتور فوزي الحداد، والدكتور عبد الجواد عباس، والدكتور البهلول سالم، والكاتب عوض الشاعري، والراحل سعيد خير الله، وعبد الرحمن سلامة، وغيرهم.
* حدِّثنا عن دراساتكَ الأدبيّة لأهلِ الثّقافة؟
ـ لقد أصدرتُ في مجال المقالة والدراسة كِتاب «صور من الجهاد الليبي» عام 1995 م، ثُمّ كِتاب «قراءات في القصة القصيرة» عام 2005 م، وكِتاب «القصة القصيرة في طبرق… دراسات ونصوص» عام 2009 م. وأهتم بالكتابة عن الشعراء الشعبيين في بلادي، حيث أصدرتُ في مجال المأثور الشعبي «شاعر معتقل العقيلة الفقيه الشاعر رجب بوحويش» عام 1981 م، وتحقيقا ودراسة عن «ديوان الشاعر هاشم بو الخطابية» عام 2006 م، و»عبد السلام سليم… حياته وشِعره» عام 2014 م، و»الشاعر عبد الجليل سيف النصر… حياته وشِعره» عام 2017 م، و»الشاعر صالح بومازق الرفادي… نشأته وشِعره» عام 2018 م. عموما، أُركِّز في دراساتي على مضمون العمل والشكل من حيث الأسلوب.
* ما تقييمكَ للمؤسّسات الإعلاميّة والصّحفيّة والثّقافيّة في عهد القذّافيّ وبعده؟
ـ في عهد القذافي، كان هناك اهتمام بالمؤسسات الثقافية، ودعمها مِثل «مجلس الثقافة العام» و»الدار العربية للكِتاب» وغيرهما، وإن كان الطابع الثوري يغلب عليها… ما بعد القذافي، ظهر الكثير من الإعلاميين والمنظرين والمحللين السياسيين، لكن الجيد منهم قليل، وظهرت إصدارات كثيرة من الكتب والمجلات والصحف وغيرها، والقنوات المتنوعة ذات «الأجندات» المتعددة… لكن زال الخوف لدى الجميع، واختفت الرقابة، ولم تعد رقابة البرامج والكتب والصحف والمجلات.
* ألا تَلحظ نقصًا في الـمَراكز الثّقافيّة والـمَكتبات العموميّة والـمَتاحف في ليبيا؟
ـ أجل، المراكز الثقافية والمكتبات العامة قد نقصت، وقل الاهتمام بها، ولم تعد تزود بالإصدارات الحديثة سواء الكِتاب أم المجلة أم الصحيفة، ومعظمها غير نشطة.
* في ظِلِّ الأحلاف العسكريّة والسّياسيّة الدّوليّة والإقليميّة؛ والصّراعات على النّفوذ والثّروات؛ ماذا تقول لجميع اللّيبيّين من أجل وَحدة ليبيا؟
ـ أقول لليبيين: «علينا جمع السلاح من بلادنا، والاتحاد مع بعضنا، وحل أزمتنا بعيدا عن الغرب، وأن يكون الحل ليبيا، وداخل الأراضي الليبية، وتوحيد المؤسسة العسكرية، والإسراع نحو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».
* ألا تَحتاج ليبيا «مَشروعًا ثقافيًّا مُتوازنًا» دون إقصاء؟
ـ مؤكد ذلك، لكن حين تصبح ليبيا بلدا خاليا من المجموعات المسلحة «الميليشيات» والإرهاب، وتتوحد مؤسسات الدولة بصفة عامة بعد تنظيم انتخابات رئيس للدولة ونائبين له… حينئذ تحتاج ليبيا «الـمَشروع الثقافي الـمُتوازن» وهو توحيد المؤسسات الثقافية بصفة خاصة دون ازدواجية.
* هلِ التّشريعات الحالية كافية للرّقابة على حُسن إدارة المؤسّسات الثّقافيّة؟
ـ ما نزال نحتاج تشريعات رقابية على المؤسسات الثقافية في تشجيع الكاتب الليبي، وطباعة الكِتاب الليبي، وإعادة النظر في الـمُشرِفين عليها من الأدباء والكُتّاب، وأن تتزايد خلايا من النشاط الثقافي، وزيادة عددها في كل المدن والقرى الليبية، وتزويدها بالتقنيات الحديثة، وفتح المكتبات النسائية.
* الابتكار الثّقافيّ والإعلاميّ والصّحفيّ يَحتاج حرّيّات كاملة؛ ما رأيكَ؟
ـ من دون الحرية لا يستطيع الكاتب أن يكتب، ولا الشاعر أن يبدع، لا بد من خَلق الحريات في الدولة بإلغاء الإقصاء والخطف والمجموعات المسلحة «المليشيات» وجمع السلاح في كل تراب ليبيا.
* إنْ تَكُنْ وزيرًا للثّقافة؛ ما برنامجكَ الاستعجاليّ؟
ـ حين أَكون وزيرا للثقافة، مِن برنامجي الاستعجالي، التأمين الطبي لجميع الكُتّاب والأدباء والفنانين، والعمل على حُسن علاجهم وتكريمهم أثناء حياتهم، وليس بعد رحيلهم عنا، وطباعة إنتاج الكُتّاب والأدباء، وفتح الشراكة في الطباعة مع مصر وتونس، وتشجيع الأدباء والكُتّاب، وشراء إنتاجهم بأسعار تشجيعية، وإشهار صحيفة أدبية ليبية، ورفع قيمة المكافأة عن القصة والمقالة والقصيدة حال النشر، وتطوير السينما بإنتاج أفلام بعناصر ليبية كفوءة، وأن تكون مَصلحة الآثار مستقلة، ولا يتدخل فيها أحد، وإنشاء شركة «الخيالة» والاستفادة من الدول المتطورة في هذا المجال مِثل مصر، والاهتمام بالجمعيات الثقافية ورعايتها، وغير ذلك.
* وأيّ الـمَشروعات الثّقافيّة الّتي تُنفِّذها كشراكة مع بُلدان الجوار؟
ـ إعادة شراكة «الدار العربية للكِتاب» بيننا وبين تونس، والتأكيد على مناصفة طباعة الكِتاب الليبي وليس كما كان يحدث سابقا… والشراكة مع «مؤسسة الأهرام» في إصلاح المطابع الليبية وتزويدها بالورق وتسديد مرتبات العاملين فيها وطباعة الكِتاب الشهري بالاشتراك مع «مؤسسة الأهرام المصرية».
* وكيْف تَرَى ليبيا بِحُكم امتدادها العربيّ والأمازيغيّ والإسلاميّ والأفريقيّ والعالَميّ؟
ـ المجتمع الليبي مسلم ليس فيه مذاهب، الإسلام الحنيف ديننا، والعربية هي لساننا الرئيس الذي نزل به القرآن الكريم، مع الحفاظ على التراث الأمازيغي وغيره… ليبيا دولة عربية مسلمة شريعتها القرآن، ولغتها العربية.
* وما طموح ليبيا حينئذٍ باتّجاه الـمُنظَّمات الثّقافيّة الإقليميّة والدّوليّة؟
ـ يجب أن تصير ليبيا عضوا فاعلا في منظمة «اليونيسكو»، وأيضا منظمة «الإيسيسكو»، والالتزام بتسديد اشتراكاتها السنوية، والـمُشارَكة في رئاستها، وأن تسعى ليبيا للمشاركة في تنشيط المنظمات الثقافية العربية والإقليمية والإسلامية والدولية، وتحسين أدائها على كل الصعد.
* ما آخر كِتابٍ قرأتَه؟
ـ قرأتُ «مختارات من القصص الليبية القصيرة» من إعداد الروائي الراحل خليفة حسين مصطفى، صادر عن دار الحكمة، أما عن دار الشروق المصرية فقد اطلعتُ على المجموعة القصصية «فتوة العطوف» لصاحب جائزة نوبل الراحل نجيب محفوظ.
* سعيدٌ بلقائكَ اليومَ؛ كرمًا لا أمرًا اختمِ الـحوار.
ـ أشكركَ جزيل الشكر، ولكَ كل التقدير على هذا الحوار، وعلى هذه الأسئلة القيِّمة، وأشكرُ صحيفة «الـمُراقِب العراقيّ» على هذا اللقاء، وكل عام وأنتم بخير.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.