مؤامرة على فنزويلا .. وليس شيئاً آخر

السيد شبل

الجزء الثاني

صحيح أن فنزويلا مطالبة بأن تُطلق قطار التصنيع ضمن خطة تنمية شاملة تأخرت كثيرا، لكي تحقق مزيداً من الاعتماد على الذات، وتقلل من وارداتها، وتصير عائدات النفط في خدمة تطوير الصناعة والزراعة، لا هدفها فقط توفير العملة الصعبة للاستيراد .. لكن يظل ما تواجهه فنزويلا اليوم صعب ومختلف عن النصائح السهلة، التي لا تدرك تماما معنى أن تكون محاصرا ومُهددا في كل لحظة بغزو عسكري من الويلات المتحدة القريبة، ويتم إزعاجك واستنزافك عبر جهات متربصة في الداخل (هذه الجهات هي التي دبّرت محاولة الانقلاب على هوجو شافيز في 2002، وقادت المؤامرة التخريبية في 2017، وبالحالتين تلقت ملايين الدولارات من واشنطن) 3- تشجيع كولومبيا، التي تلعب الدور الوظيفي لـ»إسرائيل» في أمريكا اللاتينية للمهربين على نقل البضائع عبر الحدود لها، لإحداث أزمة بالبلاد، وتحاول السلطات الفنزويلية التصدي لها. 4- زيادة في معدلات الاستهلاك أو بالأصح التخزين، وهي ناشئة عن خوف المستهلكين من المستقبل في ظل حملات إعلامية مسمومة تطارد الشعب من كل مكان، وتخبره أنك على شفا مجاعة وحرب، وهذه الحملات لها حوالي خمسة أعوام، أو أكثر، تقريبًا مع نهايات حكم شافيز، تلعب على ذات الوتر. 5- تآمر الشركات الكبرى «متعددة الجنسيات» من نوع (بروكتر آند جامبل، وجونسون آند جونسون، وكولجيت، وبيج فارما، كمبرلي-كلارك)، وهذه الشركات التي كانت تسمح فنزويلا لها بالنشاط، وتوريد المنتجات، فصنعت لها زبائن، ثم قررت أن تقلل من ضخ منتجاتها إلى الأسواق أو الامتناع تماما، للإسهام في إحداث أزمة تطيح بالنظام، وتأتي بآخر يسمح لها بنشاط أوسع وملكية أكبر لها ولرفاقها من الشركات الأخرى الممنوعة. على أية حال اعتماد فنزويلا على هذه الشركات كان خطأ وها هي تدفع ثمنه. (تم استخلاص هذه النقاط من مطالعة بعض فصول كتاب: «اليد المرئية للسوق: الحرب الاقتصادية في فنزويلا» -يمكن تحميله أو قراءة جزء منه عبر أول رابط-). هذه الأسباب الخمسة بالإضافة لأسباب أخرى تتعلق بفساد في جهاز الدولة أغلبه موروث منذ زمن ما قبل شافيز، وتم التراخي في مواجهته، تؤدي إلى نقص البضائع في السوق، وحدوث أزمة. بقي أن نشير إلى أن هؤلاء التجار، وكبار المستوردين لا يتحركون هكذا من أنفسهم أو بحثًا عن الربح فقط، بل هم وثيقو الصلة بالمخابرات الأمريكية، وهناك تنسيق عالي المستوى لإحداث هذه الأزمة، خاصة أن مجهودهم يتصاعد في الوقت الذي تقوم فيه واشنطن بفرض عقوبات اقتصادية متتالية، والتهديد الصريح بالتدخل العسكري (دونالد ترامب في اب 2017)، وتشكيل تحالفات إقليمية كـ»مجموعة ليما» من 14 دولة من أمريكا الجنوبية والوسطى + كندا بهدف حصار البلد والتضييق عليه وإفقاره، بل أن هذه الطبقة البرجوازية، هي ذاتها الشريكة في المجموعات السياسية اليمينية، والتي تدير وتحرّض عصابات لجأت للعنف وقنابل المولوتوف طوال العام الماضي، حيث قامت بإحراق مكاتب حكومية وسيارات شرطة، وتصاعد الأمر إلى درجة أن استخدم أحد المنتمين لها، وهو ضابط جيش منشق، طائرة هليكوبتر لتنفيذ عملية إرهابية حيث ألقى بالقنابل اليدوية على المحكمة العليا، كما أن هذه المعارضة تملك عقلية عنصرية وطبقية دفعتها لأن تحرق شابًا في أوائل العشرينيات بأن رشّت عليه البنزين وأضرمت النار فيه، بمنتهى البساطة !!.. كل هذه الأمور تسببت في حالة من الفوضى والإرهاب والتخريب مما يعني أننا أمام خيوط متكاملة لإحداث هذه المشكلة. كذلك هذه الطبقة منزعجة من المناخ شبه الاشتراكي والقوانين العمالية، فهي تريد تحرير للصرف ولسعر الصرف، وحرية في التعامل مع العمّال والموظفين (تسرّح من دون ضابط، وتشغّل الناس كالعبيد)، تريد حكومة تتبنى النظرية الاقتصادية النيوليبرالية للتقشف، والخصخصة ، ورفع القيود ، الخ. نحن هنا أمام معارضة تفتح الباب للشركات الأمريكية لكي تعيد امتلاك ما تم استرداده وتمليكه للشعب عبر عمليات التأميم، كما أنها تعبّد الطريق لكي تنقض الرأسماليات الكبرى على ثروات البلاد والتي ليست نفطية فقط، بل نحن نتحدث أيضا عن مياه عذبة، وقدر من الذهب والمعادن. ما حصل من أزمة في فنزويلا، هو ما على الفور وظّفته الصحافة الغربية، لتقول صراحة وبشكل ضمني الآتي: ((انظروا إلى مصير البلدان التي لا تخضع للأوروأمريكي، وتحاول أن تسير باستقلالية.. انظروا إلى مصير من يقاطعون «إسرائيل»، ويعارضون قصف الجيوش الغربية لبغداد وطرابلس ودمشق.. تأمّلوا نتيجة تأميم النفط وطرد الشركات الغربية الذي قام به هوجو شافيز في 2007 وفي مرات تالية بـ 2011 مع شركات تعدين كندية كانت تريد نهب مناجم للذهب.. شاهدوا خاتمة من يحاول تبني أي نظام فيه أفكار اشتراكية.. راقبوا نهاية من يؤمن بأن البشر سواسية وعليهم أن يتحملوا مسؤولية تطوير أنفسهم.. انظروا إلى من يفكر في عقد شراكات مع موسكو وطهران وبكين..)). الصحافة الغربية المهيمنة لا تفعل طوال الفترة الماضية شيء سوى الشماتة، وتلطيخ السمعة (برغم أن القطاع الخاص المتآمر، لا الأفكار الاشتراكية، هي سبب الأزمة)، كما تقوم بتحريض الشعب على النظام، عبر تكرار أخبار العقوبات الاقتصادية، والتهديدات بالغزو.. والصحافة الخليجية وذات الطابع الليبرالي والإخونجي على المستوى العربي، تساهم في هذا الأمر بعد أن تحوّلت حرفيًا، وكما يقولون، إلى «خنزير يقتات على فضلات صحافة منظومة النهب الغربية». فنزويلا التي نجح رئيسها نيكولاس مادورو في نيل ثقة الشعب بالانتخابات تواجه مؤامرة شرسة، ومجموعة ليما التي تؤدي دور الملكيّات الرجعية في الوطن العربي، تصعّد من هجومها على فنزويلا، وتعلن عدم اعترافها بشرعية الانتخابات، وبالأمس 21 ايار قررت استدعاء سفرائها. هذا البلد لم يتأخر عن دعمنا كعرب وبالأخص في مسألة الصراع مع الصهيونية، وهو اليوم يحتاج الى أن نرد له الجميل، هذا أولًا، أما ثانيا فعلينا أن نعي مركزية خصومتنا مع الناهب الأمريكي، وبالتالي فيجب أن نكون ظهيرا لأي شعب يخوض معركة مع هذه الآلة الإمبريالية الجبّارة، وهذا الدعم يجب أن يكون مصدره الوعي بأصالة الخصومة مع واشنطن، وأن لا نغرق أثناء ذلك في أي شيء جانبي يضغط علينا لتقديم تبريرات. نحن من مصلحتنا إسقاط هذه المنظومة الاستعمارية ودعم كل بؤر مقاومتها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.