مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

35

وحول تكامل أدوات السَماوي فِي كتابةِ القصيدة يشير السوداني إلى عمقِ مشاعره فِي فضاءات الجمال وَالعشق الإنساني قائلاً: «السَماوي شخصية تعيش في فضاءات المحبة والعشق الدائم الذي لا يتوقف لحظة في هذا الزمن الذي نثر غباره الكثيف على نوافذ الحياة، حيث نراه يهدم عوالم قد الفناها سابقا في ذاكرتنا وفي حواسنا, ومن ثم يعيد بناءها من جديد, فمن الحدس والتخيّل للنزعة الجمالية من خلال الانفعالات العاطفية والحياتية التي تتمثل بأجمل معاني تقلبات حالات الحب يتغنى شاعرنا بالعشق والصبا والغرام للحبيبة والشغف والوجد والود والسهر واللوعة لكيانه عن عمق مشاعره وحبه». ويخلص السوداني إلى بقاءِ جذوة الحب متقدة فِي عالمِ السماوي يحيى بقوله: «كل الدلالات الَّتِي ذكرتها آنفاً تشير وتؤكد على اعلان بيان للحب الدائم في قلب وعقل وافكار مبدعنا العاشق اللهف, الوله في حبه لحبيبته، وبخط احمر بأن اللوعة ما زالت فيه, وان جذوة الحب مازالت مشتعلة, وانه عاشق ابدي؛ لذلك حينما نتتبعه نجده يحاول القاء القبض على لحظات الجمال من خلال العشق والحب المتطرف الذي يقوده الى المغامرة الشعرية البصرية التي لم نجدها الا في قلبٍ ثائر وفيه من الهيجان للمحبوب ورقة شوق في آن واحد».
رَفـعَ الـنِـقـابَ وسَــلّـمـا وبـحـاجِـبَـيـهِ تـكـلّـمـا
ودَنـا.. وأغْـمضَ مقـلـتـيـهِ تغـنُّـجـاً.. وتـبَـسَّـمـا
فَـغَـرتْ عـيونـي جـفـنـهـا وفمي تـمَـطَّـقَ مُـرغـمـا
فـوجَدْتُـني بـعـبيـرهِ ـ برغـم انطِـفـائيَ ـ مُـضْـرَمـا
لاصَـقـتُـهُ خـطـواً تـهـادى في الـغـروبِ مُـنـغَّـمـا
وهَـمَـمْـتُ أسـألُ مُـقـلـتـيـهِ لـلـيـلِ عـمريَ أنـجُـمـا
فـتـعَـثَّـرَتْ شـفـتي بصـوتي .. فـانـكـفـأتُ مُــتـيَّـمـا
خـتـمَ الـذهـولُ فـمـاً تـمنّـى أنْ يُـضاحِـكَ مَـبـسَـمـا
لـكـنّـمـا عـيـنـايَ ـ مــن شــغـفٍ ـ تحـوّلـتـا فـمـا
فـرَمَـيـتُ أحـداقـي عـلـى نـهــديــهِ حــيـن تـقـدَّمـــا
وعـلـى مَــرايـا جـيـدِهِ .. مُـتـوسِّــلاً أنْ يـفـهــمـــا
كــادتْ تـفـرُّ لِـثـغـرِهِ شـــفــتـي لـتـلـثـمَ بُــرعُـمــا
فهَـمَـسْـتُ: رِفـقـاً بالـغـريبِ ألـسْـتَ قلـبـاً مُسْـلِـمـا؟
أبْـطـلتَ عُـمْـرَةَ ناسِـكٍ قد جاء «مـكّةَ» مُحْرِمـا!
وحَرَمْـتهُ سَعْـياً بـ»مروةَ والصّفاءِ» و»زمْزما»
يا مُـبْـطِـلاً حتى وُضوئي: كُـنْ لـعِـشـقٍ مَـيْـسَـمـا
فـأعـادَ وضـعَ نِـقـابـهِ كـيـداً.. وقـال مُـتـمـتِـمـا:
صَـبراً على عطـشِ الهـوى إنْ كـنتَ حـقـاً مُغـرَما
فـالـمـاءُ أعـذبُ ما يـكونُ: إذا اسْـتـبَـدَّ بـك الـظـمـا!
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ ثَمَّةَ ما منع السًماوي مِن طرحِ نتاجه الشعري عَلَى جمهوره بشكلٍ واسع لنحوِ نيفٍ وَعقدين مِن الزمان (1971 ـ 1992)، فقد بقي النهل مِنْ نتاجِه الشعري محدوداً ببيئةٍ مُجْتَمَعيةَ ضيقة، مساحتها لا تتعدى الأصدقاءَ الذين يطمئن لهم، حيث كان يشدو قريضه وسط مَا يمنحه مِنْ الأمكنةِ الفرصة لكي يُفرغ أنينه وَيؤنس وحشة الليل، فيشرب جلساؤِه مِنْ نهرِ إبداعه شراباً سائغا قبل أنْ يتوارى عَنْهم فِي ظلامٍ مظلم، مَعَ العرضِ أنَّ بعضَ تلك الجلسات كانت سبباُ لمبيتِه وَصحبه أياماً خلف قضبان السجون. يُضافُ إلى ذلك مَا نحته مِنْ قريضٍ وَوجد له مستقراً فِي مَا تباين مِن الدهاليزِ الَّتِي يحسبها آمنة بسببِ بعدها عَنْ أنظارِ عسس السلطة ومخبريها وَأزلامها؛ نتيجة مواقفه المعارضة لسياساتِ النظام المباد وَكشف تعدد نشاطاته الاجْتِماعِيَّة انتماؤه لحركةِ اليسار، غَيْرَ أَنَّ الكثيرَ مِنْ تلك المخطوطات تحولت إلى رمادٍ بفعلِ اضطرار أسرته سجرها فِي التنور خشية وقوعها بأيدي السلطة وَأعوانها، حيث أَنَّ «هولوكوست الكتاب» أو التخلص مِنه بالدفنِ أو بغيره مِن الوسائل المتاحة، يُعَدّ بفعلِ ركون السلطة الدكتاتورية إلى نهجِ الرقابة الصارمة، فضلاً عَنْ قمعها العنيف للحريات أحد أبرز موروثاتنا الثقافية. وأراني ملزماً هُنَا بدعوةِ البيت الثقافي العراقي بما تباين مِنْ عناوينه إلى إطلاقِ مسابقةٍ أدبية سنوية بعنوان «جائزة شهيد الكلمة»؛ وفاءاً للذين جادوا بأنفسهم مِنْ أجلِ حماية الكلمة الرافضة للاستبداد وهم يحاولون اختراق جدران الرقابة بترويجِ النتاجات الإنسانية بِمَا متاح مِن السُّبُلِ الَّتِي كانت محفوفة بالمخاطر.
ســتون.. في ركـــضٍ ولــمْ اصــلِ
نهـــــرَ الأمـــانِ وواحــةَ الأمـــلِ
ســتونَ .. أحسَبُ يومَهــــا سنــــةً
ضــوئيَّــةً مـــــــوؤودةَ الــــشُّــعَلِ
عــشــرون منهـــا : خيمتي قلــقٌ
بيـــن المـنافـــي عاثـــرُ الــسُّــبُلِ
والباقيــــاتُ؟ رهـــينُ مــــسْغَبَةٍ
حينـــاً.. وحينـــاً رهــن مُعْتَقَــــلِ
لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير إلى أنّ بعضَ الكتاب وَالنقاد يشيرون إلى تلك المدة الزمنية مِنْ سفرِ أدب السَمَاوي بوصفِها مساحة «صمت كبيرة» تخللت تجربته الشعرية، فَعَلَى سبيلِ المثال لا الحصرَ ورد فِي دراسةِ الإعلامي وَالشاعر الفلسطيني علي فرحان الدندح الموسومة «الوطن فِي غربةِ الشاعر العراقي يحيى السماوي» المنشورة عام 2008م ما يؤكد ذلك، حيث يقول دندح: «إنَّ الشاعرَ السماوي بدأ تجربته الشعرية في بداية السبعينيات الميلادية مع ديوان عيناك دنيا، تلاه الديوان الثاني قصائد في زمن السبي والبكاء، وبعد صمت سنوات امتد حتى عام 1993، أصدر ديوانه قلبي على وطني وديوان جرح باتساع الوطن». وَيمكن الجزم بأنَّ السًماوي لم يكن بعيداً عَنْ واحةِ الشعر الَّذِي شغف به حد العشق منذ السنوات الأولى فِي دراسته. وقد تنامى فِي نفسه هَذَا الشعور، فأصبح الشعر بمثابةِ «فيروس» أصابه وَهو يرى لقمة الخبز تدخل افواه فقراء الشعب وكادحيه مجبولة بإذلالِ سلطةٍ لَمْ يكن فِي حسابها أنْ تزول. وَلندع السَماوي يحيى يدلُو بدلوه حول هَذَا الأمر، حيث يقول مَا نصه: «كان صمتاً قسرياً فرضته عَليّ ظروف العراق فِي ظلِ نظام الحزب الواحد والفكر الواحد والقائد الأوحد، ومع ذلك فقد كان صمتا ظاهرياً؛ لأنني كنت أكتب ولا أنشر خوفا على رقبتي من حبل مشنقة أو سياط جلاد مادام أن كتابتي بمثابةِ صراخ احتجاج متضامنة مع الصعاليك في حربهم العادلة ضد الطواغيت والأباطرة».
ما العيبُ في قولِ الحقيقةِ؟
هل تكون النارُ ضاحكة اللهيبِ
بلا حطبّْ؟
أم يستحي من طيبِ لَذتِهِ العِنَب؟
فأنا الفراتُ وأنتِ دجلة
والسريرُ بكوخِنا شطَ العَربْ
ذات إديلايد، أفزع السَماوي هدوء الفجر عَلَى غير عادته حين يهرب مِنْ ضجيجِ النهار إلى سكونِ الليل، فخُيِّل إليه أنه يشبه سكون مقبرة فِي صحراء، فاستعان بصوتِ محمد عبد الباسط عبد الصمد وهو يرتّل بصوتِه الملائكي (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه)، فكتب قصيدة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.