الصناعة الأميركية للإعلام الارهابي

محمد محمود مرتضى

لم تهمل التنظيمات الارهابية شبكات التواصل الاجتماعي، بل هي عمدت الى استخدامها بشكل مضطرد للترويج لأفكارها من جهة، وفي سبيل شن عمليات اعلامية ونفسية من جهة ثانية، دون أن ننسى الدور الذى تلعبه في تجنيد الشبان واستقطابهم. ان المتتبع لنشاط هذه الجماعات منذ بداية نشأتها في افغانستان، سيلحظ حجم التطوير الهائل في بنيتها الاعلامية، ان لجهة اتساع النشاط أو لجهة نوعيته. إذ سخرت هذه الجماعات الشبكة الرقمية لأغراضها الدعائية. فمنذ أن شرع تنظيم «القاعدة» الإرهابي منذ بداياته ببث بياناته عبر الإنترنت، برز نشاطه الرقمي الفعال لتسويق هذه البيانات وصور فعالياته وان كان التنظيم تأخر مقارنة بـ(داعش) في الانخراط على وسائل التواصل الاجتماعي. أما تنظيم «داعش» الإرهابي فيقود معركة كبيرة إعلامياً، حيث أشارت احصاءات سابقة الى أن 80% من عمليات التجنيد الآن تتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بينما 20% فقط تتم داخل السجون أو المساجد، فيما كانت هذه النسبة منعكسة في عام 2012، حيث كان يتم التجنيد في السجون ودور العبادة بنسبة ثمانية أشخاص من كل عشرة، بينما 20% فقط كان يتم تجنيدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛  وهذا يعكس تطورا كبيراً وخطيرا في إدراك أهمية الوسائل الإلكترونية. تُعد شبكة الانترنت عالماً شديد النمو وسريع التطور، وقد أدى ذلك لحدوث تغييرات كبيرة فيما يتعلق الإلكتروني وتوسع الانشطة نحو الاكثر خطورة. ويعود ذلك الى أن الوجود الإرهابي على الانترنت يتسم بالنشاط والتنوع الكبير، لا سيما ان المنظمات الارهابية التكفيرية لا تخاطب أعوانها ومموليها فحسب وإنما توجه رسائلها أيضاً للإعلام والجمهور الخاص بالمجتمعات حيث أن الترهيب والترويع هو من أهداف هذه التنظيمات وهذا ما لم يكن متوفرا في السابق حيث كنا نلاحظ مثلا، من بعض كتابات بن لادن، ان «القاعدة» كانت تعاني في ايصال أفلام الفيديو المصورة الى بعض محطات التلفزة. ومهما يكن من أمر، فان التوسع الارهابي التكفيري على وسائط التواصل الاجتماعي لم يكن بمنأى عن التوظيف الاميركي أيضا، شأنه في ذلك شأن باقي حراك هذه التنظيمات. اذ يمكن بسهولة مثلا ملاحظة غض الطرف الاميركي عن نشاطات «داعش» الالكترونية الى ما بعد عام 2015، اي بعد اشهر من اجتياح «داعش» لمناطق واسعة في العراق وسوريا. كانت المواقع الالكترونية التابعة لـ«داعش» تنشر كتب التدريب العسكري كصناعة العبوات الناسفة والتخفي من رادار الطائرات اضافة الى دورات في الاستخبارات والأمن. ويضاف اليها عشرات الافلام الوثائقية عن المعارك وعمليات القتل والإعدام. لكن أكثر ما كان يثير الانتباه هو أحد المواقع الالكترونية الذي يزعم انه يتابع هذه الجماعات واعني به موقع (SITE Intelligence Group) الذي أسسته الصهيونية الاسرائيلية  «ريتا كاتز»، إذ كان يتم تحضير الموقع ليشكل ما يشبه الوكيل الحصري لأخبار الجماعات التكفيرية. ويمكن تسجيل عشرات الافلام التي تم توقيفها ولا يمكن الحصول عليها إلا بوساطة هذا الموقع. والى اليوم يمارس هذا الموقع عملياته في نشر اخبار قد لا تستطيع ان تجدها إلا عنده. لا شك ان الجميع يعلم قدرة الولايات المتحدة الاميركية على خنق الاصوات في العالم الافتراضي، لكنها برغم ذلك سمحت لحراك «داعش» وأخواتها ان يتمدد في فترة السماح التي فتحت لها ابواب العودة الى المنطقة من بوابة «داعش» الواسعة. ربما يرفض البعض مقولة ان «داعش» صنيعة الاستخبارات الاميركية، ويمكن المجادلة في صحة هذه النسبة من عدمها، طبعا بمعزل عن مهمة التوظيف (والتوجيه) التي لا شك فيها، إلا أن القول بان اعلام «داعش» هو صنيعة هذه الاستخبارات هو قول لا يصح التشكيك به على الاطلاق، والشواهد التي تؤيده متوافرة وبالعشرات ان لم نقل بالمئات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.