برنارد لويس … الصهيوني الذي قضى نحبه

علي أبو الخير
برنارد لويس كان صهيونياً بامتياز، مدافِعاً شرِساً عن الدولة الإسرائيلية، وتمكّن من إقناع صنّاع القرارات في أميركا طوال أربعين عاماً من تطبيق فكره على أرض الواقع عسكرياً وسياسياً، هو صهيوني مُتأسلم، لأنه يستغل الفكر المنسوب للإسلام ظلماً، ليروّج للفِتَن، والتي يريد أن تظل مشتعلة. توفي يوم 20 أيار 2018 برنارد لويس، المستشرق اليهودي البريطاني الأميركي، الذي أثّر في الفكر السياسي الأصولي الاستعماري، وتمكّن من تطبيق فكره على المنطقة العربية خلال أربعة عقود من الزمان، وتحديداً بعد هجرته واستقراره في الولايات المتحدة الأميركية عام 1974، واقترابه من الدوائر السياسية والاستخباراتية الأميركية، منذ هنري كسينجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، وحتى اليوم، مروراً بالمحافظين الجُدُد، أو جماعة الأصولية المسيحية الصهيونية، الذين بدأوا في الظهور في عصريّ الرئيسين ريغان وبوش الأب. كان لريغان الدور الأكبر في تشجيع الطاغية صدّام على خوض الحرب ضد إيران لمدة ثماني سنوات، وكان لجورج بوش الأب الدور الرئيس في تشجيع صدّام أيضاً في احتلال الكويت عام 1990، ولكن فكرة برنارد لويس التدميرية للمنطقة العربية، بدأت تؤتي ثمارها خلال مرحلة بوش الإبن، ثم ظهرت واضحة وصريحة ومقيتة خلال الأحداث التي نعيشها اليوم. لن نتحدث عن حياة برنارد لويس الذي عاش أكثر من قرن من الزمان، فسيرته مشهورة لمن يريد الرجوع إليها، في الكُتب وعلى شبكة (الإنترنت)، ولكننا نكتب عن أثر مؤرّخ المُفترض أن يكون مُحايداً، ولا ينقل رؤيته التاريخية إلى المستوى السياسي الاستعماري، ولكنه حدث بالفعل، فهو ينحاز تلقائياً للاستعمار الغربي للدول الأخرى، خاصة الدول الإسلامية، ينحاز أكثر للفكر الإمبراطوري الأوروبي.
يقول لويس بصورة واضحة عن انتمائه منذ الصِغَر لفكرة الإمبراطورية البريطانية، يقول في مذكراته: «منذ مرحلة الطفولة التي عشتها في لندن خلال العشرينيات، كنت أشعر بالفخر بحقيقة كوني جزءاً ممّا يمكن أن نسمِّيه أعظم إمبراطورية في التاريخ، وبكلّ تأكيد الإمبراطورية الأكبر والأوسع في ذلك التاريخ، التي تمدُّ حكمها ونفوذها المباشر أو غير المباشر إلى ما يزيد على ثلث مساحة الكرة الأرضيّة، وتُحِلُّ، في أماكن عديدة من العالم، الحضارةَ مكان البربريّة، وتَجلِب إلى أجزاء مختلفة من الإمبراطورية الحريَّةَ والعدل بدلاً من الحُكم المستبدّ أو السلطويِّ». وعندما غربت الشمس عن إمبراطورية البريطانيين، استقرّت به الحال للعيش والحياة في الإمبراطورية الأميركية وريثة الاستعمار البريطاني، فأثّر كثيراً في الفكر الصهيوني الأميركي، خاصة أنه يتحدّث العربية والفارسية، وقد حصل من قبل على درجة الليسانس الممتازة في التاريخ من مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن عام 1936، كما حصل على درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي عام 1939، وكان موضوع رسالته عن «الطائفة الإسماعيلية وجماعة الحشّاشين»، وبعدها ألّف عدّة كُتب ونشرَ مقالات كلها هجوم استشرافي بامتياز على الإسلام كدين، أي أنه أعاد فكرة الصراع الإسلامي/الصليبي الذي دام عسكرياً مائتي عام، ولكن لويس لا يريد أن يحدث للكيان الصهيوني ما حدث للصليبيين عندما خرجوا من أرض فلسطين والشام، فيريد منع أية وحدة في أية صورة، وفي أقل حدّها الأدنى بين العرب والمسلمين بعضهم ببعض، ومن ثم نفهم هجومه المُتكرّر على الثورة الإسلامية في إيران،يرى برنارد أن مشاكل الشرق الأوسط في معظمها ذاتية من داخل المسلمين أنفسهم، ومن داخل تراثهم الفكري، وأنها لم تكن مجرّد أمراض موروثة من الاستعمار أو التدخّل الخارجي، وأن مشكلة المسلمين من داخل فَهمِهم للإسلام، وبسبب سوء هذا الفهم، ظهرت الحركات الإسلامية السياسية، التي تتّخذ من الفكر التكفيري نبراساً وهادياً، ومؤثّراً في الشعوب الإسلامية، ويرى أن العرب فوضويون هدّامون، لا يمكنهم أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، ولو تركهم العالم الغربي، لخرجت موجات من الهجرة التدميرية العربية وخرّبت الحضارة الأوروبية كلها، ويرى أيضاً أن الاحتلال المباشر للدول العربية يخرج روح المقاومة ضد الاستعمار، ويوحّد بين أبناء العرب والمسلمين، وهنا خرج فكره إلى نظرية التفتيت المُنظّمة للدول، خاصة المحيطة بالكيان الصهيوني، ويقوم التفتيت على أسُس مذهبية وعِرقية ودينية، وهذا التفتيت يُنهي فكرة الدولة القومية، لتوجد الدولة الدينية المذهبية، وكل دولة تتمزّق لثلاث أو أربع أو حتى خمس دول، فتعيش إسرائيل بعيداً عن أي خوف من السقوط في المستقبل، ويرى لويس أيضاً أن وصول الإسلام السياسي لحُكم الدول العربية، هو الذي يقود لإشعال الفِتَن الطائفية والمذهبية، وهو ما يجعلنا نفهم سر حماية الأميركان لتنظيمات الإرهاب في العراق وسوريا وليبيا. على أية حال استغلّ برنارد لويس ما حدث من هجمات ضد برجيّ التجارة في نيويورك في 11 أيلول عام 2001، ليؤكّد لجورج بوش الإبن ضرورة تطبيق خريطة ما تُعرف بـ «حدود الدم»، و»نظام الشرق الأوسط الجديد»، وهي النظرية التي تم تطبيقها على العراق وأفغانستان، وهي النظرية أيضاً التي استغلّتها وزيرة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس أوباما، وهي هيلاري كلينتون، التي أسهمت في إشعال ما قالوا عنه «الربيع العربي»، ولقد اتّضح أن نظرية برنارد لويس تُطبّق على مهل وعلى سنوات ممتدة، الهدف منها في النهاية، هو إشعال المنطقة، وضرب قوى المقاومة، واتّضح هذا جلياً في الأحداث التي حدثت ومازالت تحدث في سوريا، عندما سمحت أميركا والكيان الصهيوني بدخول مئات الآلاف من الإرهابيين إلى الدولة السورية لتمزيقها، وعندما هلّت بشائر النصر العروبي السوري، بدأ الرئيس الحالي دونالد ترامب بالخروج من الاتفاق النووي مع إيران، وقيام الكيان الصهيوني بالاعتداء على سوريا، كل ذلك من أجل قطْع الطريق على طُرُق المقاومة، وإطالة أمد الصراع في سوريا والعراق واليمن، ومتحالفين مع اليمين الديني السعودي الخليجي، برغم أن دول الخليج في أهم خطط برنارد لويس لتمزيقهاـ وتفتيت أوصالها. الأمر المؤكّد هو أن برنارد لويس كان صهيونياً بامتياز، مدافِعاً شرِساً عن الدولة الإسرائيلية، وتمكّن من إقناع صنّاع القرارات في أميركا طوال أربعين عاماً من تطبيق فكره على أرض الواقع عسكرياً وسياسياً، هو صهيوني مُتأسلم، لأنه يستغل الفكر المنسوب للإسلام ظلماً ليروّج للفِتَن، والتي يريد أن تظل مشتعلة .. مات برنارد لويس، ولكن فكره بطبيعة الحال لن يموت، فالصهيونية تستغل الغفلة العربية الإسلامية المستمرة لتمزيق الدول، ثم يصرخ العرب من المؤامرة، برغم أنهم يعرفون أركانها وحجمها، ولابد لهم من الخروج من الأزمة، التي عبّر عنها المفكّر الجزائري «مالك بن نبي»، وهي أزمة «القابلية للاستعمار». ونعد مقالنا هذا نداء لكل مثقّفي الأمّة، لابدّ من التصدّي للفكر بالفكر، والتصدّي للعدوان بالمقاومة، خاصة أن الإسلام يدعو لرد العدوان، والحق لابدّ له من قوّة، فكرية وعسكرية على السواء.. هذا لمَن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.