أزمة محفوفة بالمخاطر

فِي شهر تشرين الثاني مِن العام الماضي، أكدت لجنة الزراعة والمياه النيابية ممثلة بنائبِ رئيسها، أنَّ العراقَ مقبلٌ عَلَى كارثةِ جفاف حقيقية؛ نتيجة تعرضه إلى «حرب مياه من دول الجوار»، مبرراً ذلك بتوجه تركيا إلى بناءِ السدود وخزنها للمياه، وهو الأمر الذي قلل بحسبِ اللجنة آنفاً نسب المياه في البلاد بشكلٍ كبير، وأدى الى تأثرِ أراضينا بصورةٍ عامة بفعلِ نقص المياه الكبير، فضلاً عَنْ إشارتها إلى أنَّ «العراق يتعرض لكارثة حقيقية بسبب حرب المياه».
مِنْ المعلومِ أنَّ تصريحَ اللجنة النيابية المذكور آنفاً، سبق التحذير المستقبلي لحكوماتِ المنطقة – في مقدمتها العراق – الَّذِي أعلنته وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» قبل أيام بنحوِ نصف عام، إلا أنَّ ردة الفعل الحكومية لم تكن بمستوى الحدث، حيث كان الخطاب المعد للاستهلاك الإعلامي المحلي هو السائد كالعادة فِي مواجهة أمرٍ يتعلق بالأمن الغذائي ومقومات الأمن الوطني، وليس أدل عَلَى ذلك مِن تأكيدِ مدير عام دائرة السدود فِي وزارةِ الموارد المائية العراقية «أن العراق يسعى إلى عقد اتفاقية مع الجانب التركي لتحديد حصته المائية»!!.
ما أثارنا فِي الحديثِ عَن الموضوعِ هذا، هو أنَّ مشكلةَ نقص الاطلاقات المائية فِي أنهارنا الوطنية، لم تكن وليدة اليوم، حيث بدأت ملامحها بشكلٍ واضح منذ أعوام العقد السابع مِنْ القرنِ الماضي، لكنها تضاعفت بصورةٍ مقلقة فِي مطلعِ الألفية الثالثة، بعد أنْ تضافر انحسار الأمطار نتيجة التغيرات المناخية مع نقصِ المياه فِي الإضرارِ بالعمليةِ الزراعية، بالإضافةِ إلَى المساهمةِ بإعاقةِ جهود المزارعين الَّذين تُعَدّ زراعة الأراضي المصدر الرئيس لمعيشتهم، ما أدى إلى تدهورِ إنتاجية القطاع الزراعي بصورةٍ مثيرة للانتباه، وتراجعِ معدلات الثروة الحيوانية بشكلٍ غير مسبوق؛ نتيجة هلاك الكثير مِنْ موجوداتها، مع العرضِ أَنَّ أكثرَ مناطق البلاد تضرراً مِنْ مشكلةِ نقص المياه، هي الَّتِي تتغذى مِنْ نهرِ الفرات فِي قسمِه المار بمحافظاتِ الوسط والجنوب؛ جراء افتقار تلك الأراضي إلى سدودٍ أو خزانات مائية لتخزينِ المياه. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ عذوبةَ مياه الفرات بدأت بالتلاشي بفعلِ مرارة الموت اليومي الَّتِي يعيشها مجرى النهر والمتمثلة بتعريضه للتلوثِ مِنْ خلالِ تحويله إلى مكبٍ لرمي النُفايات والملوثات وجعله مستنقعاً لتصريف مياه المجاري !!.
لا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ جوهرَ مشكلة بحثنا الحالي يكمن فِي ألاعيب السياسة الدولية المتعلقة بموضوع المياه، وَلاسيَّما تركيا الَّتِي عمدت إلى تقنين أطلاقات المياه فِي أنهارنا الوطنية بدرجةٍ كبيرة؛ إذ لم يصل إلى مجارينا المائية غير اقل مِنْ ربعِ الحصة المقررة باتفاقيات البلدان المتشاطئة. يُضافُ إلى ذلك مشكلتا التجاوزات المحلية الكبيرة عَلَى الأنهارِ والجداول – الَّتِي أخفقت الحكومات المحلية وإدارة الموارد المائية فِي حسمها – ومشكلة استيطان نبات زهرة النيل بكمياتٍ كبيرة فِي أنهارنا وروافدها.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.