رمضان .. شهر ضيافة الله

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾.في كلِّ عام يطلُّ علينا الشهر العظيم، شهر رمضان المبارك، والّذي يعدّ فرصةً استثنائيَّةً علينا استغلالها واغتنامها خير إغتنام، ولا بدَّ لمدرِك شهر الصيام معرفة حقِّه، وأنَّ هذا الشهر الكريم قد أكرم الله فيه السائلين إليه بالدعوة إلى ضيافته، فهو دار ضيافة الله، وأن يجهد بعد هذه المعرفة في تحصيل الإخلاص في حركاته وسكناته على وفق رضا صاحب الدَّار..فلصوم البدن عن المفطِّرات- أي بمعنى الجوع- فوائد عميمةٌ للسَّالك في تكميل نفسه ومعرفته بربّه، وقد وردت في فضائله أشياءٌ عظيمة في الأخبار لا بأس بالإشارة إليها أوّلاً..فقد رُوِيَ عن النبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال:»جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإنَّ الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وإنَّه ليس من عمل أحبُّ إلى الله من جوع وعطش».

وفي حديث المعراج:» ميراث الصوم قلَّة الأكل، وقلّة الكلام، ثمَّ قال في ميراث الصمت: إنَّها تورث الحكمة وهي تورث المعرفة، وتورث المعرفة اليقين، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح ؟ بعسر أم بيسر ؟ فهذا مقام الراضين؟فمن عمل برضاي أُلزمه ثلاث خصال: شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبَّة لا يؤثر على محبَّتي حبّ المخلوقين، فإذا أحبَّني أحببته وحبَّبته إلى خلقي، وأفتح عين قلبه إلى جلالي وعظمتي، ولا أُخفي عليه علم خاصَّة خلقيِ، وأناجيه في ظلم الليل ونور النَّهار، حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم،وأُسمعه كلامي وكلام ملائكتي وأُعرّفه سرّي الذي سترته عن خلقي ـ إلى أن قال: وأستغرقنّ عقله بمعرفتي، ولأقومنّ له مقام عقله، ثمّ لأهوّننَّ عليه الموت وسكراته، وحرارته وفزعه، حتى يساق إلى الجنَّة سوقاً، فإذا نزل به ملك الموت يقول: مرحباً بك وطوبى لك ثمَّ طوبى لك، إنَّ الله إليك لمشتاق ـ إلى أن قال ـ يقول: هذه جنّتي فتبحبح فيها، وهذا جواري فاسكنه ، ويكفي أن ننظر إلى ما ذكره علماء الأخلاق أخذاً من الأخبار من خواصّه وفوائده، وقد ذكروا له فوائد عظيمة منها:-

• صفاء القلب:فالجوع يهيِّىء القلب لإدمان الفكر الموصل إلى المعرفة، وله نورٌ محسوس، ورُوِيَ في الحديث القدسيِّ:» يا أحمد إنَّ العبد إذا أجاع بطنه وحفظ لسانه علَّمته الحكمة وإن كان كافرا تكون حكمته حجَّةً عليه و وبالاً، وإن كان مؤمناً تكون حكمته له نوراً وبرهاناً وشفاءاً ورحمةً، فيعلم ما لم يكن يعلم، ويبصر ما لم يكن يبصر، فأوَّل ما أُبصِّره عيوب نفسه حتى يشتغل عن عيوب غيره، وأبصِّره دقائق العلم حتى لا يدخل عليه الشيطان.»

• الانكسار والذلُّ لله تعالى:وكذلك زوال الأشر والبطر، والفرح الذي هو مبدأ الطغيان فإذا ذلَّ النفس يسكن لربِّه ويخشع.

• ضبط الشهوات:والقوى التي تورث المعاصي وتوقع في الكبائر المهلكات، لأنَّ أغلب الكبائر تنشأ من شهوة الكلام، وشهوة الفرج، وضبط الشهوتين سببٌ للاعتصام من المهلكات.

• دفع كثرة النوم المضيّعةِ للعمر:الَّذي هو رأس مال الإنسان لتجارة الآخرة، وهو سبب للاستفادة من الوقت أكثر، ومعين للتهجُّد الباعث لوصول المقام المحمود قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.

• التمكّن من بذل المال والإطعام:والصلة والبرّ، وبالجملة العبادات الماليّة كلّها، وما جاء في الكثير من الأخبار وما سيأتي معنا لاحقاً في فضل هذه العبادات.

وأنّ الصوم ليس تكليفا،ً بل هو تشريفٌ يوجب شكراً بحسبه، والمنّة لله تعالى في إيجابه علينا، ونعلم مكانة نداء الله تعالى لنا في كتابه في آية الصوم، ونشعر بالسعادة من النِّداء خصوصاً إذا علمنا أنَّه نداء ودعوة خاصة بنا لدار الوصول.ومنها: أنَّنا إذا عرفنا الفائدة والحكمة من إيجاب الصوم، نعرف بذلك ما يكدِّره وما يصفِّيه، ونعلم معنى ما ورد فيه من أنَّ الصوم ليس من الطعام والشراب فقط، فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك.ومنها: أنَّك تعرف أنّ النيّة بهذا العمل لا يليق أن يكون لدفع العقاب فقط، ولا يليق أن يكون لجلب ثواب جنّة النعيم وإنْ حُصِّلا به، بل حقّ نيَّة هذا العمل أنَّه مقرِّب من الله، وموصل إلى قربه وجواره ورضاه، وتلبية لندائه سبحانه وتعالى إلى المائدة الرحمانية، وأنَّ هذا العمل مُخْرِج للإنسان من أوصاف البهيمة ومقرِّب إلى صفات الروحانيين نفس التقرّب.

إنَّ الصوم الصحيح الكامل الذي شرَّع الله تعالى لحكمة تكميل نفس الصائم، هو ما يكون لا محالة تركاً لعصيان الجوارح كلّها، فإنَّ زاد الصائم مع ذلك ترك شغل القلب عن ذكر غير الله، وصام عن كلِّ ما سوى الله، فهو الأكمل، وإذا علم الإنسان حقيقة الصوم ودرجاته وحكمة تشريعه، فلا بدَّ له من الاجتناب عن كلّ معصية وحرام لأجل قبول صومه لا محالة، وإلاّ فهو مأخوذ مسؤول عن صوم جوارحه وليس عن معنى إسقاط القضاء.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.