المقاومة من أجل الحضارة .. لماذا يجب أن نصرّ على هذه الأطروحة ؟

السيد عباس نورالدين
إذ كنت مهتمًّا بمستقبل مجتمعك وشعبك، فأنت بحاجة إلى التفكير بموقعيّته الحضارية في عالم الغد؛ فلا شيء يحدّد مستقبل أي شعب مثل إدراك ما سيكون عليه على المستوى الحضاريّ في الزّمن الآتي. وإذا كان لا بدّ لأية قرية أو أمّة من غاية أو أجل، فإمّا أن يكون ذلك على نحو الحضارة الذاتية أو التبعية الحضارية المنذرة بالزوال؛ فإمّا أن نصنع مراكبنا الخاصّة، أو نكون رهينة مراكب الآخرين التائهة. إنّ قيمنا الدينيّة تحتّم علينا أن نكون مستقلّين وروّادًا. لا يمكن لمن عرف الإسلام أن يتصوّر المسلمين في غير هذه الحالة. والتبعيّة الحضارية تتناقض مع أبسط مقوّمات الالتزام بهذا الدين وهي تعني فقدان أعز ما نملك ـ وهو الإيمان الخالص بالله. لهذا، يجب العمل الحثيث على توجيه جهود أبناء هذا المجتمع نحو المساهمة في بناء حضارتنا الخاصّة؛ هذه الحضارة التي تنبع من قيمنا التي نؤمن بها، والتي هي أفضل وأعلى القيم. يجب أن يصبح هذا الخيار جزءا أساسيًّا من وعي شعبنا لكي تتمحور حوله الجهود والتطلّعات. فإن كنّا نريد البقاء والعزّة في عالم الغد المتسارع، فعلينا أن ندرك ما تعنيه مهمّة بناء الحضارة. إنّ إدراك عناصر القدرة في ديننا، والعمل على تفعيل حضورها في ثقافتنا ونمط عيشنا، هو الذي يشكّل المدماك الأكبر لذلك البناء الشّامخ. فالتمايز الثقافي الذي يمنحنا التفوّق الحضاري هو الميزة الكبرى لحضارتنا المقبلة. إنّه لأمرٌ مذهلٌ، كيف اتّجه شعبنا نحو خيار الإسلام، بعد مرور كل هذه العقود من الاغتراف من ثقافة الغرب. وإنّه لأمرٌ مقلقٌ، كيف يستمر هذا الاغتراف برغم ذلك ؟! الكثير من أفكار أبنائنا وتوجّهاتهم ونظرتهم للحياة والمصير يتشكّل وهم في حالة من الاتّصال اللاواعي بتلك الثقافة الغربية المنحطّة؛ يحدث ذلك على قدمٍ وساق منذ المراحل المدرسيّة الأولى وحتّى انقضاء التعليم الجامعيّ، وما بعده. ولولا صلافة الغرب وعدائه السافر لأهم مقدّساتنا، لكانت شعوب هذه المنطقة قد تغرّبت منذ زمنٍ بعيد. لقد اختار الغربيّون الإجهار بعدائهم لنا إلى حدّ الثمالة. وفضّلوا دعم كيانٍ متوحّش، مارس أبشع حملات الاعتداء والتّنكيل بحقّ شعوبنا، على أن يجعلونا مثلهم. ربما كانوا يظنّون أنّ التحكّم بهذه الشّعوب لا يمكن أن يكون بمعزلٍ عن العصا. وربما كانوا قد يئسوا من تغيير هذه الشعوب منذ أمدٍ بعيد، ففضّلوا تمزيقها وتفتيتها تمهيدا لإبادتها. وما نعرفه هو أنّ خيارهم العدوانيّ مازال مطروحًا، وتخلّيهم عن هذا الكيان الهمجيّ غير وارد. حاجاتهم لممارسة العنف الوحشيّ تجاهنا تفوق رغبتهم في تطويعنا ثقافيًّا، ولعلّ هذا ما جعل هجماتهم الثقافية ضعيفة إلى حدٍّ ما. ولكن هل يستمر هذا النهج ؟ لا يكفي لبناء حضارة إسلاميّة شامخة أن نبقى في موقع الانفعال تجاه ما يفعله الغرب بنا. لقد اعتمدنا كثيرا على ذلك حتى طغت ثقافة ردّة الفعل على كلّ ما نقوم به، وإن كان ذلك تحت عنوان جميل كـ»المقاومة». إذا كانت المقاومة بكلّ أشكالها ضرورة حياتيّة في هذا العصر، فينبغي أن نبحث عن كل العناصر التي تزيدها قوّة. ولا شيء يرفع من مستوى المقاومة مثل شعورنا بالعلوّ الحضاريّ: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنين}‏. إنّ العلوّ الحضاريّ هو أرقى أشكال العلوّ وأنقاها، لأنّه يحمل صاحبه على التعامل الإنسانيّ مع الآخر بدل استعماره وغزوه وإبادته. إنّ ضخ هذه العنصر الجوهريّ في ثقافة المقاومة هو أفضل خدمة نقدّمها لها في هذا الزمان؛ وذلك بأن نجعل المقاومة مرحلة من مراحل عمليّة بناء الحضارة الإسلاميّة الجديدة. إنّنا لا نقاوم من أجل البقاء، بل من أجل أن نقدّم للعالم أجمل حضارة يمكن أن تعرفها البشريّة. ولا يخفى أنّ مقاومة العديد من أبناء هذه المقاومة كانت مبنيّة على اعتقادهم بأنّ ما يقومون به هو جزء من التمهيد لتغيير العالم. من عايش المقاومين الأوائل الذين انطلقوا من ثقافة إسلاميّة أصيلة، يدرك أنّ مقاومتهم كانت جزءا من مشروعٍ كبير آمنوا به واعتنقوه. ولو تمّ العمل على تعميق هذا المشروع ورفده بكل ما يحتاج إليه من العناصر الفكريّة والمعنويّة، لكانت النّتائج الحاصلة اليوم أكبر بكثير ممّا أُنجز. تارة قد نقارن الإنجازات بما كان، وتارة نقارنها بما كان ينبغي أن يتحقّق. وفي المقارنة الأولى نجد أنّ ما حصل كان عظيمًا وملفتًا. وفي الثانية نجد أنفسنا مقصّرين، وأنّه كان بالإمكان القيام بالكثير من الأعمال الضرورية. يجب أن نعمل على تعميق مبدأ المقاومة العسكريّة والثقافيّة والاقتصاديّة والتعليميّة والإعلاميّة من خلال طرح الأهداف العظيمة التي تؤمن بها والقيم الكبرى التي تسعى لترسيخها. وهي قيم وأهداف حضاريّة شديدة الجاذبية لكلّ من نأمل أن يشارك أو يساهم أو يدعم أو لا يرفض. إنّها القوة الحقيقية التي يمكن لمعسكر الحقّ أن يحصل عليها. إن تغيير العالم حلم كلّ إنسان طيب؛ إلّا أنّ التغيير عبر تقديم حضارة مجيدة ليس أمرًا واضحًا للجميع. فنحن نقاوم لأجل أن يكون لنا حريّة انتهاج نمط عيش راق يقوم على السعي نحو الفضائل الكمال. إنّنا نرفض أن نتحوّل إلى مخلوقات غرائزية تمجّد الشهوانية وتعدها فضيلة. ونرفض أن تكون حياتنا مجرّد سعي نحو المادّيّات؛ إلّا أنّ رفضنا هذا لا يكفي، بل ينبغي أن يكون مقرونًا بالسعي لتحقيق البديل. وهذا البديل لا يمكن أن يتحقّق إلّا من خلال إطار اجتماعيّ سياسيّ يتقدّم إلى البشرية كحضارة متميّزة. إنّنا نعرف كيف تكون سياسة هذه الحضارة. وينبغي أن نعرف كيف يكون اقتصادها وكيف يكون عمرانها وكيف تكون كل أنماط عيشها. وهذا ما نقاوم لأجله أو ينبغي أن يكون.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.