السيف والفتوى دراسة توثيقية لجرائم الإبادة الجماعية في العراق من العصر الأموي حتى الاحتلال العثماني

الحلقة الاخيرة

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

تنشر (المراقب العراقي) كتـــاب (السيف والفتــوى) لـ د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الابادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الاموي وحتى العصر العثماني.وفي عام (447 هـ/ 1055 م) عندما جاء الجيش السلجوقي لاحتلال بغداد بقيادة طغرلبك وقد انتشر الرعب في سواد بغداد فنهب جنده جميع المنطقة الممتدة في الجانب الغربي من بغداد، من تكريت شمالاً الى قرية النيل قرب بابل جنوباً، وفي الجانب الشرقي منها، من تكريت شمالاً الى جنوب النهروان جنوباً.
إضافة لما تقدم فمن إبادة الحصار الذي مارسها السلاجقة على العراقيين هو فرض الاتاوات على حكومة ببغداد مثلما حدث في سنة (455 هـ/ 1063 م) عندما عقد السلطان طغرلبك ضمان بغداد على شخص بـ(150,000) دينار، وكان طبيعياً أن يسعى الضامن الى سداد هذا الضمان مضافاً اليه ما يجنيه من ارباح. لذلك كان أول ما عمله الضامن أنه أرجع ضريبة المكوس التي كانت ملغاة، وهكذا عاش الفرد العراقي سنوات محنة الحصار المعيشي مع الاحتلال السلجوقي.
وتكررت مآسي الاعتداءات والسرقات بالنسبة للفلاحين كلما جاء الجيش السلجوقي إلى بغداد كما حدث في السنين (485 هـ/ 1092 م) و(496 هـ/ 1102 م) واستمرت لما بعد القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وكانت حكومة بغداد الضعيفة وعلى رأسها الخليفة تحاول أن تمنع الجند من الاعتداء على الفلاحين، الا انها لم تنجح في مسعاها على الأغلب كما حدث في أحداث سنة (496 هـ) عندما دخل نائب السلطان السلجوقي محمد بغداد وعبث بالقرى وفرض عليها الضرائب، فكل الذي عملته حكومة بغداد انها ارسلت اليه قاضي القضاة ليعرفه قبح الظلم وحرمة شهر رمضان، إلا أن ذلك لم يزده إلا عتواً.
وعلى اثر ذاك خلع الراشد وتعيين المقتفي خليفة خلال الحكم العباسي المتأخر سنة (530 هـ/ 1135 م) من السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه الذي حاصر بغداد لأكثر من خمسين يوماً فوقع في بغداد النهب من العيارين والمفسدين.
وفي سنة (541 هـ/ 1146 م) سار الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله بعساكر من بغداد وحاصر تكريت وأقام عليها عدة مجانيق ثم رحل عنها ولم يظفر بها.
وفي مدة صلاح الدين الأيوبي ـ أي العصر الأيوبي ـ قام بمحاصرة الموصل وذلك سنة (581 هـ/ 1185 م) بعد رفضهم الخضوع لسلطانه، متحججاً بأن هناك أسباباً تجبره على محاصرتهم وإخضاعها لسلطانه منها أن اهل الموصل يخطبون لسلطان العجم، وينقشون النقود باسمه، كما أنهم يراسلون الصليبيين ويحرضونهم على مهاجمة بلاد الإسلام وبعد أن دب الضعف وعدم حصول الموصليين على النجدة من الخليفة العباسي بالإضافة الى كون صلاح الدين قد عزم على المقام بالقرب من الموصل وإقطاع تلك البلاد على جيشه، وأخذ غلالها ودخلها حتى استسلم اهلها اخيراً.
في سنة (634 هـ/ 1236 م) نزل المغول على أربيل واستباحوا المدينة وهرب الناس الى القلعة، فحاصرها المغول وهلك الناس عطشاً وطلب حاكم المدينة ان يصالحوه عن المسلمين بما يؤديه اليهم، فأظهر المغول الإجابة ولكنهم أخذوا المال منه وغدروا به وحملوا على القلعة حملات عظيمة، وزحفوا اليها زحفاً متتابعاً ونصبوا عليها منجنيقات. وعادة تستخدم القسوة في جمع الأموال من الأهالي إذ يذكر ابن الأثير ذلك بقوله: (وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال).
كما أقام المغول إبادة جماعية أخرى كان موعدها مدينة الموصل عندما منع الملك الصالح بن بدر الدين لؤلؤ من دخول أحد قادة هولاكو إلى المدينة، فلما بلغ هولاكو ذلك حاصر المدينة وضربها بالمنجنيق وواصل القتال مدة 12 شهراً وكان أهلها قد أبلوا بلاءاً حسناً، فلما طال الحصار ورأى المغول أن القتال والزحف لا يجديان نفعاً أمسك عن ذلك إلى أن فنيت ميرة أهلها وتعذرت الأقوات عليهم وأشتد بهم الأمر حتى أكلوا الميتة ولحوم الكلاب فحين إذ طلب الملك الصالح من المغول الأمان له ولأهل البلد ووافقوا المغول على ذلك، ولكن عند دخولهم المدينة قام المغول بالقبض على الملك الصالح وولده وأتباعه ودخل العسكر إلى البلد وقتلوا ونهبوا وسبوا.
وتقدمت بعض فرق المغول حتى وصلت إلى سوق الخيول بظاهر بغداد في سنة (643 هـ/ 1245 م) ونهبت ما في طريقها من قرى، كما نهبت قافلة تجارية قادمة من حران إلى بغداد وتضم ستمئة حمل من السكر والقطن المصري، بالإضافة إلى ستمائة الف دينار.
قبل سقوط الحكم العباسي بأيام قلائل في سنة (656 هـ/ 1258 م) قام المستعصم بالله العباسي بكارثة وإبادة جماعية للشيعة في بغداد في محلة الكرخ إذ أمر أبو بكر أبن الخليفة وركن الدين الدويدار عساكر الخليفة فنهبوا الكرخ الشيعي وهتكوا النساء وركبوا منهن الفواحش.لم يكتف المغول بإباحة مدينة بغداد عند احتلالها سنة (656 هـ/ 1258 م)، وإنما نهبوها وحملوا معهم ما جمعه الحكام العباسيون من كنوز بعد أن دلهم عليها آخر حكام بني العباس المستعصم بالله.
في سنة (684 هـ/ 1285 م) أغارت طائفة من عسكر الشام على الموصل وأربيل وقتلوا ونهبوا وسبوا وأخذوا اموال التجار من قيسارية الموصل وقتلوا كثيراً من النصارى في اربيل.
كما تعرضت قوافل الحجاج في طريق النجف الأشرف لهجوم المشعشعين أثناء حكم محمد بن فلاح المشعشعي في سنة (844 هـ/ 1440 م) ونهب الأموال والدواب وأخذ المحمل والآية المذهبة، وقام بحرق الحجر الدائر على قبة الإمام علي (ع)، وجعل القبة الشريفة مطبخاً لمدة ستة أشهر وكان يقول: (إنه الرب والرب لا يموت)، وقد حمله غلوه الشديد على مهاجمة الضريح الشريف بهذه الصورة. وذكر المؤرخون عن قيام أبنه علي بن محمد المشعشعي في سنة (857 هـ/ 1454 م) أنه خرج بعساكره على الحجاج المتوجهين الى النجف الأشرف وقام بنفس الأعمال التي قام بها والده من قبل، فأخذ المحمل والآية المذهبة وقماش المحمل، وحاصر السادة داخل المرقد الشريف، فأخذوا يتضرعون اليه، فطلب منهم القناديل والسيوف، وتمكن من الحصول على مئة وخمسين سيفاً، وأثني عشر قنديلاً، ستة منها من الذهب، وستة من الفضة، ودخل الضريح العلوي الشريف بفرسه وجرده من مظاهر الزينة وأتى على بقية القناديل والسيوف والستائر وغيرها، ثم أقدم على كسر صندوق الضريح وأحراقه، ثم توجه الى مدينة كربلاء المقدسة وهاجمها، كما صادر اموال اهالي الحلة في ذات المدة.
وقام العثمانيون بين عامي (974 ـ 975 هـ/ 1566 ـ 1567 م) بتجهيز حملة كبرى اشتركت فيها حاميتا شهرزور والموصل، وأرسلت نحو (450) سفينة مزودة بمئتي مدفع عن طريق بيره جك عبر الفرات بقيادة والي بغداد اسكندر باشا، وبعد فشله في تعزيز الوجود العسكري العثماني أمر بقطع أشجار النخيل وإتلاف المحصولات التي تعيش عليها القبائل مما اضطر بالقبائل الى طلب الصلح لقاء دفع ضريبة الى خزينة البصرة.
الوهابية حلفاء العثمانيين إضافة لجرائم القتل والتنكيل بشيعة العراق، فأنهم أغاروا على العراق لنهب وسلب خيراته، فقد أشارت المصادر التاريخية إلى أن الوهابية هاجموا مدينة النجف الأشرف عام (1214 هـ/ 1799 م) وتصدت لهم عشيرة الخزاعل، وقام الوهابية بقتل مجموعة من الخزاعل من بينهم أمير الخزاعل، إذ كانوا يقبلون ضريح الإمام علي (ع)، فحملوا عليهم وقتلوهم ودارت معركة شديدة بينهما، بلغت خسائر الوهابية مئتي قتيل وجريح ومثلهم من الخزاعل، ونهبت على أثر ذلك أموال الحاج العراقي. وفي عام (1215 هـ/ 1800 م) أرسل الوهابيون سرية إلى العراق لتنهب مرقد الإمام (ع) وتهديم مرقده الشريف واستباحة المدينة، وقد تصدى لهذه السرية عرب البصرة وقاتلوهم وهزموهم وعادت السرية بالخيبة، هذه الهزيمة للوهابية أثرت في نفوسهم فزادهم حقداً، لذا جاءت الغارة الثالثة على العراق بعد سنة واحدة من باب الانتقام إذ أقدم الوهابيون عام (1216 هـ/ 1801 م) على غارة عنيفة وشرسة على مدينة كربلاء المقدسة في يوم عيد الغدير الأغر، مستغلين ذهاب أغلب رجال المدينة إلى النجف الأشرف وأقدموا على هدم ضريح الإمام الحسين (ع) ونهب ما فيه من الأموال والأثاث والأسلحة وقتلوا دون رحمة الرجال والنساء والأطفال.
قام الوهابية بأكثر من ثلاث عشرة غارة على العراق وتركزت على النجف الأشرف وكربلاء المقدسة إضافة إلى المنتفق والبصرة وامتدت من عام (1214 هـ/ 1799 م) وحتى عام (1258 هـ/ 1843 م).وفي عام (1241 هـ/ 1825 م) أقام داود باشا حصاراً عسكرياً واقتصادياً على مدينة كربلاء المقدسة فيما يعرف بواقعة المناخور وذلك عندما رفض أهالي كربلاء والحلة مبايعته إذ رفعا راية العصيان وعند ذلك سير جيشاً ضخماً، فأخضع الحلة واستباح حماها ثم جاء الى كربلاء فحاصرها ثمانية عشر شهراً ولم يقو على فتحها لحصانة سورها ومناعة معاقلها، ثم كر عليها ثانياً وثالثاً فلم يفز بأمنيته الا بعد حصار طالت مدته أربع سنوات، وكانت نتيجته أن أسر الجيش نقيب كربلاء فسجنه داود باشا في بغداد.
وقد أحصيت تسع وقائع وقعت بين أهالي كربلاء وجيوش داود باشا أثناء الحصارات المتكررة وهم على التوالي (واقعة القنطرة، واقعة المشمش، واقعة الهيابي، واقعة المناخور، واقعة الأطواب، واقعة المخيم، واقعة الراية، واقعة بني حسن، واقعة الأمان). ولما باءت كل محاولات داود باشا لإخضاع كربلاء بالفشل استنجد بعرب عقيل القصيم والإحساء، فعسكر هؤلاء على صدر الحسينية وأمر داود بقطع الماء عن كربلاء، ولما لم تجد أيضاً هذه المحاولات فتيلاً، فأمر داود باشا أعراب الشامية أن يقطعوا طريق كربلاء وينهبوا السابلة فيها، وقد ضيقوا الحصار على المدينة وقطعوا الاتصال الخارجي بها، فعند ذلك لم ير الأهالي بداً غير الصلح مع داود باشا فدخل الأخير كربلاء.
وفي سنة (1258 هـ/ 1842 م) شق أهالي كربلاء عصا الطاعة على الدولة العثمانية، وأبوا أداء الضرائب والمكوس والتي عرفت بحادثة نجيب باشا، وكان والياً على العراق وقد جهز جيشاً بقيادة سعد الله باشا، وسيره الى كربلاء فحاصرها حصاراً شديداً، وامطر المدينة بوابل قنابله، ولم يستطع من الدخول اليها لأن سورها كان منيعاً جداً وقلاعها محكمة، ولما اعيت به السبل الحربية، التجأ الى الخداع فأعطى الأمان، وضمن لهم عفو الحكومة فأخلوا القلاع وجاؤوا طائعين، فقبض عليهم وسلط المدافع على الجهة الشرقية فهدم السور وأصلى المدينة ناراً حامية، ففتحها وأرتكب فيها كل فظاعة وشناعة ودخل بجيشه الى الصحن العباسي، وقتل كل من لاذ بالقبر الشريف، وكان نجيب باشا سفاكاً غداراً معروفاً بالمكر والغدر، وبعد حصار دام ثلاثة أيام دخل كربلاء، وقد اجرى القتل بدرجة فظيعة حيث أمر بالقتل العام لمدة ثلاث ساعات، ومن المحقق أن تسعة آلاف شخص قد أبيدوا عن آخرهم، فضلاً عما نهب من الأموال والأحجار النفيسة وأثاث البيوت والكتب التي لا تعد ولا تحصى، وبناءاً للأرشيف العثماني إن القتل في حرم أبي الفضل العباس (ع) بلغ أكثر من ثلاثمئة قتيل في السرداب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.