البداية

سارة معلة

«أنا أفتقدهم كثيراً» رددت وهي تلقي مجموعة صور على السرير. وكأن يداً امتدت لتعتصر قلبها وهي تواسي نفسها «هذا أفضل، من الجيد أن يكونوا سعداء»، فلم يعد هنالك من يواسيها، بين دموعها شقت ابتسامة صغيرة طريقها إلى شفتيها، حين تذكرت لعبهم معاً مجتمعين في حديقة منزلها (متنفسها الوحيد) التي أصبحت فيما بعد أشبه بمقبرة، تضم رفات ذكريات ميتة، وأخرى ما زالت أرواحها تحوم حول المنزل.
أحيانا تفتح شباك غرفتها المطل على الحديقة، تبدأ بكتابة قصاصات ورق صغيرة، وتلقيها وكأنها تنتظر أن يقرأها أحد، ثم يأتي أطفال آخرون ليسحقوها بأقدامهم وهم يلعبون كرة القدم.
«لا بأس، ربما سيأتون في المرة القادمة، ربما لن يكتفوا بالنظر من بعيد، ربما لن يكونوا مشغولين باللعب في حديقة منزل آخر.. ربما» تردد بصوت خافت، وهي تعيد الصور الى صندوق مزخرف ككل مرة. فهي لا تبقيها مبعثرة طويلاً خوفاَ من أن تعتاد صورهم، تخشى اعتياد الوجوه الجامدة المجردة من المشاعر والابتسامات المفصلة على مقاسات الصور، وفي الوقت نفسه تظن أن التخلص منها أمر خاطئ، وجودها على الرف يبقيها جاهزة في حال داهمتها الذكريات، جاهزة لإشباع رغبتها بالبكاء.. تلك الرغبة المازوخية التي حاولت التخلص منها جاهدة من دون جدوى.
تنتابها نوبة اشتياق ممزوجة بندم ومرارة تمسك بقلمها وتكتب «هذه الأخيرة.. ثم سأقطع يدي إن حاولَت كتابة قصاصة أخرى»..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.