النّسّابة مِثل القاضي الباحث في الأنساب خليل إبراهيم الدليمي: البصمة الوراثية أحدثت ثورة في عِلم الأنساب

المراقب العراقي/ جمال بوزيان ـ الجزائر

بيقين؛ يَحتاج البحث العِلميّ وقتا ومالا وجهدا؛ إذ يَسعَى الباحثون للوصول إلى نتائج تَنفع الـمُجتمَعات والشّعوب والأُمم؛ وتُساعد على فهم التّاريخ الّذي يَحمل بيْن ثنايا ذاكرته صفحات كَتبها صُنّاعه ذات يوم؛ وتركوا آثارهم تتداولها الأجيال.إنّ عِلم الأنساب مِثل بقيّة العلوم له ما له؛ وعليه ما عليه؛ قدْ يُخطئ نسّابة أو مُؤرِّخ في زمن ما لأسباب كثيرة؛ لكنِ الواجب هو إعادة قراءة ما كَتبه الأولون من باب التّدقيق والتّحقيق لا سيما بعْد ظهور عِلم البصمة الوراثيّة.
أَستضيف اليومَ عبْر صحيفة «الـمُراقب العراقيّ» باحثًا مُجتهدا يَسعَى إلى توثيق أنساب القبائل توثيقًا سليما بعيدا عنِ القَبَليّة الـمَقيتة… إنّه الباحث العراقيّ في الأنساب خليل إبراهيم الدّليميّ.
* مَن خليل إبراهيم الدّليميّ؟
ـ أنا خريج إدارة واقتصاد من الجامعة المستنصرية عام 1981 م، وحاصل على دكتوراه فخريّة. باحث متخصص في الأنساب، وأول مَن عمل في الهيأة العربية لكتابة تاريخ الأنساب في اتحاد المؤرخين العرب عام 1995 م، ومُقدِّم برامج تلفزيونية تُجيب عن أسئلة واستفسارات المواطنين فيما يخصُّ الأنساب في قناة بغداد وديوان والمسار.
* كيْف وجدتَ نفسكَ باحثًا في الأنساب؟
ـ بعد أن قرأتُ كثيرا من كُتُب الأنساب والاستفسار والتتلمذ على أيدي أهل هذا العِلم، وبعْد جمعي لكِتاب «الـمقدمات في عِلم الأنساب» وتحقيقي لبعض المشجرات وعدّ النسب وسيلة من وسائل صلة الرحم وتأليفي وتحقيقي لبعض كُتُب الأنساب ولا أزال طُوَيلِبَ علمٍ في هذا الباب.
* ألا تَرى أنّ عدد النّسّابين في تَنامٍ؛ وإنْ أنتجوا أبحاثًا يَخلو بعضها مِنَ الرّوح العِلميّة الأمينة؛ إضافة لأخطاء أو تزوير نسب عبْر ختم وتوقيع شهادة انتساب؟
ـ الأنساب شأنها شأن كثير من العلوم لا تخلو من أدعياء الـمَعرفة بهذا العِلم واشتغاله فيه، وهو لا يحسن فك خط النسب، ووجود من لديه عِلم لكنه لا يبغي منه دنيا وجاهاً ومآرب أخرى.
* أيّ الأُمم بدأتْ تدوين أنسابها؟ ومتى؟
ـ أول من وجدناه يذكر الأنساب هي التوراة، ثم اهتمام العرب فطريا بهذا العِلم، إذ اهتموا بالأنساب اهتماما كبيرا، وظهر منهم نسابون كُثر مثل ابن الكلبي فأغلب ما كتبه نحن عيال عليه، وظهر نسابون في كل قبيلة كتبوا في أنساب قبائلهم وزادهم عددا وشرفا نسابو آل البيت الكرام الذين لا يخلو منهم صقع ولا قرن.
* ما الـمعايير العِلميّة في تقسيم السّلالات البشريّة؟
ـ لا نزال نعتمد على ما ذكرته التوراة في تقسيم البشر على أولاد نوح الثلاثة سام وحام ويافث، ومنهم خرجت كل الشعوب.
* حسب كُتُب الأنساب؛ هلْ نَسب العرب يَتوزّع على عِدّة سلالات؛ وأنّ العروبة لسان وثقافة جامِعة للأُمّة؟
ـ حسب عِلم الأنساب وكُتُبه القديمة، العرب بائدة وحاضرة، والحاضرة هُم عدنان وقحطان، ومعهم المتحالفون ممن تكلموا العربية واندمجوا معهم لغة.
* كشف عِلم البصمة الوراثيّة أحلافًا بيْن القبائل العربيّة وبعض فروعها؛ كيْف تَرى ذلك؟
ـ أحدثت البصمة الوراثية ثورة في عِلم الأنساب، بل نسفت أغلب ما كان يطرح من معلومات حول الأنساب، والدليل أنها شقت العشيرة الواحدة إلى أكثر من سلالة.
* حسْب حديث رسول الله (ص) (.. وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا..)؛ هلْ يُعقَل ظهور مُنتسبِين لـ»أهْل البيْت» خارج كِنانة؟
ـ لا يُعقَل أن يكون هناك من ينتسب لأهل البيت خارج كنانة، وما حصل من ادعاء هو بسبب ادعاء النسب العلوية لمن هم ليسوا من أهل البيت.
* ما رأيكَ في تهافت بعض النّاس على ادّعاء النّسب الهاشميّ؟
ـ هُم باحثون عنِ الجاه والشرافة وهُم ليسوا أهلا لها.. وأقول: إنهم مطرودون من رحمة الله، لأنهم شوهوا نسب رسول الله (ص).
* البحث عنِ النّسب ليس جريمة؛ وليس طريقًا إلى شقّ صفّ الأُمّة بلِ البشريّة جميعها فكُتُب الأنساب منتشرة منذ عهود؛ لِمَ إقحام النّسب في صراعات الـمُجتمعات والشّعوب والأُمم وكُلّهم مِن آدم وحوّاء؟
ـ النسب نوعان، نوع مرغوب في البحث فيه وتعلمه وهو ما يستفاد منه لصلة الرحم وهو ما حث عليه الشرع، ومنه ما يكون سببا في شق الصف والرحم فلا خير فيه.
* يريد بعض النّاس أن يُنكِر النّاس أنسابهم؛ كأنّ مجهول النّسب أفضل من معلوم النّسب؛ ما رأيكَ؟
ـ هذا ينطبق عليه قول القائل: «إن الأقرع يتمنى أن يكون كل الناس مثله».
* هلْ ظهرتْ كُلّ الفروع التّاريخيّة لأنساب أهْل العراق عبْر تحليل البصمة الوراثيّة «الجينيّة»؟
ـ لا يزال هذا العِلم يحبو، لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نتكئ عليه لقلة الخبرة وكونه لم يتم فحص أغلب القبائل والشعوب.. نستخدمه للمقارنة وفي حالة الخلاف.
* ألا تَرى أنّ عِلم البصمة الوراثيّة مِصفاة لعِلم الأنساب؛ وكُتُب الأنساب تَحتاج مُراجَعات؟
ـ لا نزال نعتمد على عِلم الأنساب حتى تكتمل جوانب عِلم البصمة الوراثية، واستفادتنا منه جعلنا نرى أن عِلم الأنساب لا يزال حـمّال أوجه واحتمالات.. يجب ألا نتعصب لرأي.
* أ ليس النّسّابة مِثل القاضي؛ حين يَهتدِي إلى الـحقِّ يَتراجع عن حُكْمه؟
ـ أجل، نحن مع الدليل الصحيح، نميل حيث يميل، ولا نتعصب لرأي، لأننا لم نطلع على كل كُتُب الأنساب.
* ماذا تقول لمديري الهيآت والرّابطات والنّقابات الّتي تَهتمّ بالنّسب؟
ـ نقول لهم كما نقول لأنفسنا: إن عِلم الأنساب له قواعده وضوابطه، من يعمل بها فهو المقدم فيه، فكذلك لعِلم البصمة الوراثية قواعدها وضوابطها من يعمل بها فهو المقدم فيها، وسيظهر لنا جيل سيستفيد من كلا العِلميْن لينتج نظريات نسبية وفهم جديد للأنساب تخرجنا من حيرتنا الحالية.
* هلْ بدأ النّاس يَقتنعون بنتائج اختبارات الحمض النّوويّ؛ ويَتركون مواريثهم الخاطئة؟ ماذا تقول للّذين يُسقطِون نتائج على خطوط وراثيّة وهميّة؛ وللّذين لا يَعترفون بنتائج الـمَخابِر العِلميّة؟
ـ لا، لأن شأن الناس تجاه هذا العِلم شأن من كان يقول بكروية الأرض فكم ممن كان يحسب على أهل العِلم كان يُكفِّر من يقول بكروية الأرض… وهناك من هو مقتنع بهذا العِلم… ومشكلتنا مع بعض المتطفلة على هذا العِلم ممن يستقطع نتائج ما يقتنع به هو دون دليل على خطوط وراثية هو صانعها ومروجها، ويريد من الآخرين الاقتناع بها… والأيام حُبلَى بالمفاجآت.
* ألا توجد تشريعات في العالَم العربيّ تُعاقِب مُزوِّري النّسب والـمُزوَّر لهم والوسيط بينهم؟
ـ أجل، في العهد العباسي كان يحق للنقباء أن يحلقوا رأس من يدِّعي نسبا عَلويا ليس له ويُدار به في الأسواق. وقد أصدرت الدولة العراقية قبل عام 2003 م قانونا يعاقب مُدّعِي ومُزوِّري النّسب دون دليل، لكن تَمّ إلغاؤه.
* هلْ كان تفتيت القبائل العربيّة في إطار اتّفاقيّة «سايكس ـ بيكو» مقصودًا؟
ـ تفتيت القبائل جزء لا يتجزأ من تفتيت الأمم.
* القبائل أحزاب سياسيّة؛ والأحزاب السّياسيّة قبائل… ألا تَرى أنّ الأُمّة تَحتاج قبائل مُتماسِكة تَعرِف أنسابها دون تَعصُّب؛ وتَحتاج أحزابًا سياسيّة تَخدم الشّعوب بسياسة العدل؟
ـ أجل، بسبب التعصب، ولكننا نريد أناسا يعرفون أن النسب غير القَبَلِيّة فالقبائل والعشائر تنظيم اجتماعي تكافلي تناصري، قد يجمع من هُم حلفاء لا يرتبطون مع الفروع الأخرى بنسب، وتجمعهم مصلحة واحدة فالقبيلة كانت دولة مصغرة حامية للفرد ودافعة عن حقوقه.
* بإيجازٍ؛ ما تقييمكَ لكُتُب الأنساب قديمها وحديثها؟ وهلْ تَرى اهتمام الحكومات العربيّة بالـمحفوظات «الأرشيف»؟ وماذا عنِ الـمحفوظات العثمانيّة؟
ـ كُتُب الأنساب جزء من تراثنا وتاريخنا، منها الغث، ومنها السمين، تحتاج تحقيقا وتدقيقا… أغلب الدول لديها اهتمام بـ»الأرشيف»، ولكن، لا أعرف تفاصيل عنهم ولا عن أرشيفهم. أما «الأرشيف» العثماني فهو كلمة حق يُراد منها باطل، لأنها كحقيقة موجودة لا يمكن إنكارها، ولكنها لا تحتوي على الأنساب ولم تهتم بها… وتُستخدم اليوم من هواة التزوير لتصنيع أنساب بحجة أنها مُستخرَجه من وثائق عثمانية لا أصل لها.
* هلْ ألّفتَ كُتُبًا في الأنساب؟
ـ لي مجموعة كُتُب، أولها «الـمُقدمات في عِلم الأنساب»، و»سلسلة كُتُب السبائك الذهبية في أنساب القبائل الزبيدية»، وكِتاب «القول الوارد في نسب بني خالد»، وتحقيق الجزء الأول من كِتاب «الثبت الـمُصان»، وكِتاب «القول المعقول في نسب القراغول»، ومعجم في الأنساب موسوم «الـمُؤتلف والـمُختلف».
* ما آخر كِتابٍ قرأتَه؟
ـ كِتاب «تحقيقات الزرعيني في النسب الرفاعيّ».
* سعيدٌ بكَ اليومَ؛ كرما لا أمرا؛ اختمِ الحوار.
ـ للنسب خمسة مدارات هي: المدار الأول: الغاية التي خُلقنا لها، يجب أن نعرف أنه مهما علت أنسابنا وشرفت أحسابنا لا ننسى أننا مخلوقون لغاية أسمى، وهي «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ». المدار الثاني: لتعارفوا، وهي ضِمن قول الله:»وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ». فالتعارف غاية من غايات القبائل والشعوب، وليس للتفاخر والتباهي، والتعارف لا يكون إلا بمعرف وأول المعرفات البصمة التي تضعها كل قبيلة وعشيرة وصفة من الصفات التي تتميز بها وتعرفها بين القبائل الأخرى، أي لا بدّ من أن نصنع لأنفسنا ما يميزنا من عطاء وخُلق وبِناء. المدار الثالث: صلة الرحم، «تَعَلَّمُواْ مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ». فتعلم الأنساب لصلة الرحم، فأي نسب يفرق ويقطع الرحم لا خير فيه. المدار الرابع: إكرام العشيرة، «اِكْرِمْ عَشِيرَتَكَ فَإِنَّهُمْ جَنَاحَكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ وَأَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَسِيرُ»، «وَ لَوْ لَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ» فهي الناصر والـمُعين وهي الأمان. المدار الخامس: «وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.