يـــوم الجـــلاء.. يـــوم التحريـــر

 

 

عبد الله الشبلي/ المغرب
ظن أنه في حلم جميل يملأ دواخله بهجة وأنسا، لكنه لم يكن أبدا حلما بل حقيقة عاشها بكل جوارحه، عاشها بفرح جليل لا شبيه له ولا قرين.
ولج من باب المغاربة، أحس بفخر كبير يسكن أوصاله ويملأ نفسه بهجة، كان يقبل الأسوار الطينية، ويتمسح بالأعتاب الشريفة، يتدحرج فوق ساحات الأقصى كما يفعل العشاق ، لكنه عاشق ايضا ، عاشق دين الله عاشق من نوع آخر يعشق تربة الله المقدسة. الناس يتحدثون في عرس فريد له مذاق خاص ، لم يجد شرطيا يدنس البيت المقدس ، لم يقابل أصحاب الشعور المسدلة المضفورة ولم ير أهل القلنسوات الصغيرة المدورة والمثقبة التي تشبه فطائر مغربيات تسمى عندنا «بغريرا»، لم يجد كل ذلك، لم يجد بعضا من ذلك. الأثواب البيضاء تغطي الباحات، مسك وعنبر يملأ أسوار المسجد، رائحة زكية فواحة ضواعة لا تشك أبداً كونها قادمة من فردوس الجنان. تكبيرات تصدر من المكبرات، تهليلات أناشيد حماسية، ظن أول الأمر أنها تظاهرات، وهبة جديدة دعت لها مختلف الفصائل الوطنية والهيآت الداعمة لانتفاضة الأقصى المبارك، لذلك ظل قلبه يخفق منتظرا سماع كلمات عبرية تخرج من الأبواق مطالبة الجميع بالانصراف وفض الجمع، مهددة بتدخل قوات الإحتلال، لكن ظنه خاب خيبة ما بعدها خيبة، حين لاحت جموع نساء قادمات من بعيد، يقدن تجمعا أنثويا خالصا يقذفن كل عابر بالورود والرياحين، الزغاريد تتعالى أناشيد حماسية تصدح، قادمة من بعيد.
في مسيره المبارك صادف الكاتب الفلسطيني سليم عيشان بلحيته البيضاء، ووجهه المنير وهو يحمل نسخا كثيرة من قصصه فوق ظهره ويوزعها على جموع الزاحفين وهو يصيح مبشراً: «ألم أقل لكم ذلك مرات ومرات؟ سيأتي هذا اليوم، يوم جلاء الاحتلال البغيض..».«نعم، نعم، لقد كنت صادقا ها نحن نعيش هذا اليوم يوم فلسطين الحرة».
وكأنه لا يصدق ما يرى، قصده وضمه إلى صدره ضما عنيفا، اغرورقت عيناه بدموع الفرح والحبور قبل رأسه وسارا مع الجموع مهللين و مكبرين، من دون أن ينطقا بكلمة واحدة، فقد كانت الكلمات غير ذات معنى، فالأمر أجل واعظم من أن يوصف بالكلمات.الناس باتوا ليلتهم ساهرين، كان اليوم يوم عطلة في الضفة والقطاع وفي فلسطين كلها، وفي باقي الأراضي العربية والإسلامية، ليلة قيام ويوم صيام، والأدعية صاعدة والرحمة نازلة، تغلف سماء القدس وأرض فلسطين، الفضائيات تبث مباشرة ما يحدث في أرض فلسطين حتى تلك التي كانت مستوطن الرقص والغناء انظمت إلى الصف وعادت إلى جادة الصواب، الكل يصيح: «لقد فرجت الكربة، لقد انزاحت الغمة».
ولكن أين الجيش المتمترس خلف الحواجز؟ أين بيارقهم الملعونة و النجمة السداسية؟ وأين وأين وأين؟ أين اختفى كل ذلك؟!
جحافل من الناس حجت إلى أرض فلسطين، خليط من الرجال والنساء والأطفال، الكل يعرف طريقه، لا يتدافعون لا يتزاحمون، البسمة توحدهم والفرحة تسكنهم، الله أكبر تصدح بين الناس، القرآن يسري في الأعمدة والأركان، الآذان من كل المآذن ينبع من كل حدب يسمع، يملأ الجو عبقا مسكا وريحانا.
صاح شيخ مسن يتوكأ على عكازة وهو يتدرج بين الناس «لا صوت يعلو على صوت الحق اليوم، اتقوا الله حق تقاته وصلوا إنما فرج الله همكم بشيوخ ركع وبصبيان رضع».
تذكر وعد الله وآيات القرآن الكريم التي تبشر بنصر الله القريب (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا)» سورة الإسراء الآية 7.
اندمج داخل المارة، كان يصلي معهم حيث يصلون، ويقوم معهم حيث يقومون، كان يتمسح بالأسوار يقبلها مثل المجنون، يبكي فرحاً، ثم يستدير حذرا كي لا يراه الجنود الذين اعتادوا أن يتمترسوا خلف السواتر الحديدية قرب مداخل القدس الشريف، لكنه يعود فيبتسم ابتسامة الأبله، عندما لا يرى وراءه ولا يمينه ولا شماله أحداً من أولئك الذين كانوا يوما هناك فصاروا «عابرين في كلام عابر فحملوا ساعاتهم وانصرفوا».
هو الآن لا يرى سوى ملابس بيض ناصعة وكوفيات تملأ المكان، حجاب وخمار، تكبيرات وتهليلات تملأ الفضاء، قرآن يتلى وآخر يرفع فوق الرؤوس، وأعلام فلسطين، فتقر عينه ويسكن جزعه سكونا أبديا.
حينها فقط صاح صيحة كبرى مدوية اهتزت لها جنبات الأسوار التاريخية والعتبات المقدسة «لا، لا، لم يكن حلما إنه حقيقة يوم الجلاء يوم التحرير».
وما زال الأذان يرفع، وما زال الله يذكر، وما زالت الرايات فوق الاكتاف محمولة، وما يزال الفرح والسرور والحبور، والزغاريد والورود، والقدس تضج بالمصلين والمهللين، وما يزال أهلنا في رباط إلى يوم القيامة.
وما زالت القصة لم تنته..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.