درس بليغ

بعد أنْ أصبحَ العالم قرية صغيرة بفضلِ التقدم التكنولوجي المتسارع، تسعى الكثير مِن الوسائلِ الإعلامية، وَلاسيَّما القنوات الفضائية إلى تطويرِ آليات عملها عَلَى مدارِ الساعة، بوصفِها أكثر وسائط الإعلام استخداماً لتقديمِ الخدمة الإعلامية. وَعَلَى الرغمِ مِنْ صيدِ ما تباين مِن المفاصلِ الإعلامية عشرات الأحداث الَّتِي تقع يومياً فِي مختلفِ أرجاء المعمورة، إلا أنَّ بعضَها يجعل تسويقها بتقاريرٍ إخبارية مميزاً عَنْ بقيةِ موجودات الحقائب الإخبارية.
لعلَّ مِنْ بَيْنَ تلك الأخبار المميزة الَّتِي تداولتها الوسائل الإعلامية فِي الأيامِ القليلة الماضية، وساهمت فِي إثارة الدهشة لدى المتلقي هو الدعوى القضائية الَّتِي أقامها المدرب البوسني «وحيد خليلودزيتش» – الَّذِي تولى تدريب منتخب اليابان بكرةِ القدم فِي آذار عام 2015م – عَلَى الاتحاد الياباني لكرة القدم مطالباً بتعويضٍ مالي؛ بحجةِ «الضرر بالسمعة والشرف» عَلَى خلفيةِ إقالته الشهر الماضي مِنْ منصبه – بشكلٍ مفاجئ – قبل نحو شهرين عَلَى انطلاقِ مونديال روسيا 2018م.
المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ )وحيد( الَّذِي سبق أنْ أصيب خلال الحرب فِي البوسنة عام 1992م، حدد تعويضه مِن الاتحاد الياباني بـ «ين واحد» فقط لا غير، مع العرضِ أنَّ قيمةَ الينَ الواحد تعادل نحو ( 0,0091 ) دولاراً أميركياً؛ إذ بحسبِ محاميه، الأمرَ لا يتعلق بمحاولةِ موكله الحصول عَلَى تعويضٍ ماليّ كبير جراء ما تعرض له مِنْ إجحاف بالاستنادِ إلى قناعته، فهو لا يريد أنْ يكون الخروف الأسود الَّذِي يبدو غبياً، حيث إنه متألم للغاية ويشعر «بالخيانة»!!.
المدرب البوسني – البالغ مِن العمرِ (65) عاماً – الَّذِي لم يشفع له النجاح فِي قيادةِ الساموراي الأزرق إلى نهائياتِ كأس العالم 2018 البقاء بمنصبه، «، يقر بحديثٍ أدلى به فِي أعقابِ إبعاده عَنْ مهمته: أنَّ مقاربته الصريحة للأمور قد «تجرح» بعض الأشخاص فِي اليابان، فضلاً عَنْ وصفِه سلوك رئيس الاتحاد الياباني لكرة القدم بـ «قلة الاحترام»، واتهامه إياه فِي الوقتِ ذاته بمخالفةِ قواعد «الحوكمة» الخاصة بالاتحاد المذكور آنفاً، وهو الأمر الَّذِي ألزمه الإشارة فِي مضمونِ دعوته القضائية المطالبةِ بتفسيرٍ عَنْ هذا التصرف، وسعيه الحصول عَلَى اعتذارٍ رسمي مِن الاتحاد الياباني لكرة القدم فِي محاولةِ الدفاع عَنْ «كبريائه»؛ إذ يشير وحيد : «لا زلت لا أفهم ماذا حصل، أتيت إلى هنا لمعرفة الحقيقة، أشعر وكأنني رميت في سلة المهملات، علي أن أقاتل ضد ما يضر بكبريائي»، بالإضافةِ إلى قوله بتحد «أنا لم أنته بعد».
إنَّ ما فرض عَلَى المدرب البوسني ركونه القبول بتعويضٍ ماليّ لا قيمة له فِي الحسابات الاقتصادية التقليدية، هو إيمانه بأنَّ كرامةً الإنسان أغلى مِنْ أموالِ الدنيا؛ إذ أنَّها تُعَدّ مِنْ أعلى القيم الإنسانية لدى الإنسان، فضلاً عَنْ كونها مِن القيمِ النبيلة الَّتِي سعت الأديان السماوية إلى تحقيقها عبر التاريخ فِي حياة البشر. كذلك أقرت المجتمعات المدنية الراقية كرامة الإنسان فِي دساتيرها؛ بالنظرِ لما تعطيه لحياة الإنسان مِنْ قيمةٍ عليا، وبعداً عميقاً، وكما يقول أحد المفكرين «فتشت عن المثل العليا.. فوجدتها كلها في الكرامة».
هل أهلَ السياسة في العراق يدركون ما تفضي إليه استراتيجية «الغطرسة التركية» مِنْ إساءةٍ للكرامة العراقية ؟!.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.