Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

عريس البحر

فرحات جنيد /  مصر

 

ضاقتْ عليّ قاهرة المعز بكل دروبها, وتورمت قدماي من البحث عن عمل، واشتكى جيراني من طرق الدائنين على بابي ليلا، وكرهتني من اخترتها ولم تستطع عليّ صبرًا، وبفقري عايرتني وأذلتني فحملت حقيبتي والإسكندرية كانت وجهتي، وبمجرد وصولي تركت قدماي على حريتها فأسرعت إلى الشاطئ القريب وبمياهه ارتميت، فتبللت لحيتي وامتلأ أنفي برائحة البحر فأوكلت أمر حقيبتي لحطام سفينة، وفردت ذراعيّ وتمايلت بهما كالطير العائد إلى عشه فابتسمت واحتضنتني.
قلت: من أنتِ؟
قالت: أنت!
قلت: هارب من هم ثقل على أكتافي فأوقعني فمن أنتِ؟
قالت: أنت!
قلت: وحيد في طريق طويل تزاحمني فيه أفكاري وإن صرخت لا أجد حبيباً أشكو له ولا رفيقاً يداوي فمن أنتِ؟
قالت: أنت!
قلت: أنا الديون فوق أكتافي تراكمت والفقر شوك في طريقي وفي جانبيّ فمن أنت؟
قالت: أنا التي تبحث عنك.
ضحكت حتى سمع سكان البر والبحر ضحكاتي فخرجوا ينظرون من أكون أنا، فلما رأيتهم انهمرت الدموع من عيني فهربوا من أمامي وقالوا: لا تزدنا من الهم همًا فهيا ابتعدي أنتِ.
قالت: أنا لك أنت, أنا التي تبحث عنك.
قلت: أنا مقيد لا أستطيع البحث فأنا سجين وأعاقب كل يوم حتى أحصل على قوت يومي فهيا اهربي قبل أن تصيبك لعنتي.
ابتسمت وقالت: أنت عريس البحر وأنا حوريتك وبدايتك, أنا لك أنت, وضمتني إلى صدرها وبين ذراعيها حملتني ومن عسل شفتيها أقطرتني فأسكرتني.
وفجأة وجدتني في منزل كبير عتيق، شعرت فيه بالراحة كأنني ولدت فيه، وذات ليلة كنت مستلقيًا على سريرى تداعبني بعض الأفكار القديمة وتؤلمني بقايا جرح من ماضٍ أليم فصرخت فشعرت بأنفاسها العاطرة تداعب أنفي ومذاق عسل شفتيها يملأ فمي، ويدها تمسح على جبيني فأيقنت أنني لا أحلم, إنها هنا بالفعل نعم هنا بجانبي، فتحت عينيَّ فلم أجد أحدًا، أغمضت عينيَّ وأكملت نومي وأنا اقول في نفسي: ربما تخيلت ذلك هربًا من واقعي لكن تملكني شعور أنها هنا تنام بجانبي، وتعد لي طعامي وتنظف ثوبي وترتب فراشي وتمشط لي شعري تودعني وأنا ذهب إلى عملي, وأنفاسها الدافئة تلاحقني أينما ذهبت.
بدأت أشعر أنني لست في غربة وأنني في مدينتي وإن هذا المنزل منزلي وإنني لست بحالم أو مجنون فلقد سددت ديوني وملأ المال جيبي وارتاحت نفسي ولم يعد في حياتي أي شيء غريب أو غير مريح لنفسي، لكن من الحين للآخر كانت تأتيني لحظات أشعر فيها أن جسدي مسكون بروح تحركه بداخلي كما تشاء، وأنه هناك قوة غريبة تحيطني، فانتفضت رعبًا من تلك الفكرة وتملكتني رغبة قوية أن أنساها، واليوم وأنا خارج إلى عملي فوجئت بجارتي تطرق بابي وتسألني عن زوجتي فتعجبت فأشارت إلى غرفتي ودخلت دون إذني, فنظرت إليها متعجبًا وزاد تعجبي عندما اقتربت منها تلك التي من البحر نادتني, فابتسمت وقلت لنفسي: يبدو أنني ما زلت أحلم لكن كيف أحلم وأنا مستيقظ؟!!، وبعد لحظات مرت من أمامي جارتي وهي تبتسم في وجهي وتدعو لي أن يهنأني الله بزوجتي فعلمت أنني تزوجت من تلك الفتاة التي من الغرق أنقذتني.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.