قراءة في نتائج ثورة الإمام الحسين «عليه السلام»

لقد استغل الأمويّون الدِّين لإيهام رعاياهم أنّهم يحكمون بتفويضٍ إلهيّ، وأنّهم خلفاء رسول الله حقّاً، هادفين من وراء ذلك إلى أن يجعلوا من الثورة عليهم عملاً محظوراً وإن ظَلموا وجَوّعوا وشرّدوا المؤمنين، وأن يجعلوا لأنفسهم، باسم الدّين، الحقَّ في قمع أيّ تمرّد تقوم به جماعة من الناس، وإن كانت محقّة في طلباتها وقد استعانوا على ذلك بطائفة كبيرة من الأحاديث المكذوبة على النبيّ صلّى ‌الله ‌عليه‌ وآله، وقد وضعها ونسبها إلى النبيّ أولئك النفر من تجّار الدين، الذين كانوا يؤلّفون جهاز الدعاية عند معاوية بن أبي سفيان وقد كان حريّاً بهذه العقيدة -إذا عمّت جميع طبقات المجتمع، واستحكمت في أذهان الناس دون أن تُكافح، ودون أن يظهر في الناس مَنْ يفضح زيفها وبُعدها عن الدّين- أن تقضي تماماً على كلّ محاولة مقبلة يُراد منها تطوير الواقع الإسلامي، وتقويض أركان الحكم الفاسد الذي يُمارسه الأمويّون وأعوانهم لقد كان أضمن السُّبل لتحطيم هذا الإطار الديني، هو أن يثور عليه رجل ذو مركز ديني مُسَلَّم به عند الأمّة المسلمة بأسرها؛ فثورةُ مثل هذا الرجل كفيلة بأن تفضح الزخرف الدينيّ الذي يتظاهر به الحكّام الأمويّون، وأن تكشف هذا الحكم على حقيقته وجاهليّته وبُعده الكبير عن مفاهيم الإسلام. ولم يكن هذا الرجل إلّا الحسين عليه‌ السلام؛ فقد كان له في قلوب المسلمين جميعاً رصيدٌ من الحبّ والإجلال عظيم. وقد وضع موقفُ الأمويِّين من ثورة الحسين عليه‌ السلام خطّاً فاصلاً بين الدين الإسلامي والحكم الأموي، وأظهر هذا الحكم بمظهره الحقيقي، وكشف زيفَه..ما جرى على الإمام الحسين وأهل بيته وأنصاره أثار الشعورَ بالإثم في ضمير كلّ مسلمٍ استطاعَ نصرَه فلم ينصُره، وسمع واعيتَه فلم يُجبها. ولقد كان هذا الشعور أقوى ما يكون في ضمائر أولئك الذين كفّوا أيديهم عن نصره، بعد أن وعدوه النصر وعاهدوه على الثورة.ولهذا الشعور بالإثم طرفان؛ فهو من جهة يحمل صاحبه على أن يكفّر عن إثمه الذي ارتكبه وجُرمه الذي قارفه، وهو من جهة أخرى يُثير في النفس مشاعرَ الحقد والكراهية لأولئك الذي دفعوا إلى ارتكاب الإثم..لقد قدّم الحسين عليه‌ السلام وآله وأصحابه -في ثورتهم على الحكم الأمويّ- الأخلاق الإسلاميّة العالية بكلّ صفاتها ونقائها، ولم يُقدّموا إلى المجتمع الإسلامي هذا اللون من الأخلاق بألسنتهم، وإنّما كتبوه بدمائهم وحياتهم.

ولذلك فقد كان غريباً جدّاً على كثير من المسلمين آنذاك أن يروا إنساناً يُخيَّر بين حياة رافهة فيها الغنى وفيها المتعة، وفيها النفوذ والطاعة، ولكن فيها إلى جانب ذلك كلّه الخضوع لطاغية والمساهمة معه في طغيانه، والمساومة على المبدأ والخيانة، وبين الموت عطشاً مع قتل الصفوة الخلّص من أصحابه وأولاده، وإخوته وأهل بيته جميعاً أمامه، ثمّ يختار هذا اللون الرهيب من الموت، على هذا اللون الرغيد من الحياة..وكان الإطار الديني الذي أحاط به الأمويّون حكمَهم العفن الفاسد يحول بين الشعب وبين أن يثور، فجاءت ثورة الحسين عليه ‌السلام وحطّمت هذا الإطار وكشفت الحكم الأمويّ على حقيقته وكانت المُسلّمات الأخلاقية تحول بين الإنسان المسلم وبين أن يثور، كانت قوانينه الأخلاقية تقول له: حافظْ على ذاتك، حافظ على عطائك، حافظ على منزلتك الاجتماعيّة، فجاءت ثورة الحسين عليه ‌السلام، وقدّمت للإنسان المسلم أخلاقاً جديدة تقول له: لا تستسلم، لا تُساوم على إنسانيتك، ناضل قوى الشرّ ما وسعك، ضحِّ بكلّ شيء في سبيل مبدئك..وكان الرضى عن النفس يحول بينه وبين أن يثور، ويغريه بالقعود عن النضال فجاءت ثورة الحسين عليه ‌السلام، وخلّفت في أعقابها لجماهير كثيرة شعوراً بالإثم، وتأنيباً للنفس وبرَماً بها، ورغبة عارمة في التكفير..فجاءت ثورة الحسين عليه ‌السلام، وأعدّت الناس إعداداً كاملاً للثورة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.