Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

الحضر.. فردوس الصحراء

شهاب الصفار

الجزء الاخير

نبذة تاريخية جغرافية
تقع الحضر إلى الجنوب الغربي من مدينة الموصل وتبعد عنها حوالي 110 كم وتبعد عن مدينة آشور القديمة (عاصمة الآشوريين) نحو 70 كم وإلى الشرق منها يقع مجرى وادي الثرثار وعلى بعد 4 كم تقريبا. ورد اسم الحضر في كتابات الحضر الآرامية بـ (هترا) ونقش اسمها بنفس الصيغة (حطرا ادي شمش) أي الحضر مدينة الشمس على نقودها وسميت الحضر في المصادر القديمة بـ(HATRA) ويحيط بالمدينة سور شبه دائري عرضه نحو 3 أمتار وعليه نحو 163 برجاً وارتفاعه 2 متران ويحيط بالسور خندق يترواح عمقه بين 4 ـ 5 م وبعرض نحو 7 ـ 8 م، وهناك سور ترابي يبعد عن السور الرئيس نحو 500 م يحيط به من الجهات كافة ليكون مانعاً أولياً يعيق تقدم الجيوش الغازية. ولمدينة الحضر أربعة ابواب تقع في الوجهات الأربع الطبيعية وعليه برجان مرتفعان لكل باب. وكانت الرقعة الجغرافية لمدينة الحضر تمتدُّ من نهر دجلة شرقا وحتى نهر الفرات غربا ومن جبال سنجار شمالا والى مشارف المدائن جنوبا.
كانت الحضر قرية صغيرة في بادئ الامر وازدادت اهميتها العسكرية عند اندلاع الحروب بين الامبراطورية الرومانية والامبراطورية الفرثية في مدة ما بين 69 ـ 36 ق. م. وازادت اهميتها التجارية بسبب وقوعها على الطريق البري التجاري وادى ذلك الى تدفق الاموال وانفاقها على الإعمار. كانت الزعامة السياسية الدينية بيد الشيوخ وكانوا يعرفون بكلمة (ريا) أي الزعيم او العظيم او الادة. وكان يعرف (ريا ـ بستا) أي صاحب المعبد وهو المسؤول عن نظافة المعبد وخزن النذور . وبعد ازدهار المدينة انتقلت الزعامة الى رؤساء القبائل الملقبين (بمريا) وتعني السيد وكان (نشر يهيب مريا) السيد من ابرز مؤسسي السلالة التي حكمت مدينة الحضر ومن بعده احفاده الذين حكموا دولة الحضر والتي كانت تتمتع باستقلال ذاتي كمملكة تدمر والبتراء ومن اشهر ملوك الحضر (سنطروق ابن نصر ومريا). في مجال الإعمار والبناء وفي عام 226 م حاول ارشير ابن بابك السيطرة على مدينة الحضر ولكنه فشل وخلف اردشير على الحكم الساساني ابنه شابور، وجهز جيشا كبيرا بقيادته وتوجّه نحو مدينة الحضر وحاصرها مدة طويلة، ولم يستطع سكان المدينة والحامية الرومانية المتحالفة معه قبل ذلك الوقوف بوجه الغزاة واستسلمت في 27 آذار عام 240 ـ 241 م وبذلك انتهى دور مملكة الحضر السياسي.
ديانة الحضر
ان ديانة الحضر كانت خليطاً من معتقدات الشعوب السابقة والمحيطة بها اضافة الى المعتقدات نتيجة الظواهر الطبيعية ويمكن تحديد اصول معتقدات ديانة الحضر وطقوسها بما يلي:
ـ الديانة الإغريقية التي انتقلت اليها نتيجة التأثيرات السياسية وكذلك الديانة الرومانية.
ـ المعتقدات والطقوس العراقية القديمة الموروثة عن الديانات الآشورية والبابلية والتي كانت تعتمد في جذورها على احوال الديانة السومرية والأكدية والتي من خلالها اهتدوا الى آلهتهم التي تتفق مع بيئتهم من ظواهر وتأثيرات طبيعية كالكواكب والقمر والشمس.
ـ معتقدات القبائل العربية الدينية التي نزحت من الجنوب الى الحضر والتي كانت تعتمد على المظاهر الطبيعية والتي كان لها تأثير كبير على حياتهم فيما يخص الزراعة والرعي وغيرها.
ومع ذلك فان لديانة سكان الحضر طابعاً خاصاً يميّزها عن الديانات التي تأثرت بها ومنها:
أ.- كانت للشمس مكانة اولية في معتقداتهم وعبادتهم وتعدّ من اكبر آلهتهم وهي أي الشمس مذكر عندهم ويعرف باسم إله (شمش او شمشا) وينعت بالإله العظيم وكان باعث الحياة وصانع الخير وباعث الخيرات، وهو إله العدل والنظام ولذلك شيد له اكبر المعابد بل إن مدينة الحضر نسبت له. وكتب على المسكوكات عبارة (الحضر مدينة الشمس).
ب‌. وما يميز ديانة الحضر عبادة التثليث الذي يتألف من (مرن) سيدنا و(مدتن) سيدتنا و(بر مدين) ابن سيدنا، وكان ذكرهم يتردد في ادعيتهم ويقومون بزيارتهم مباركين بهم يقدمون لهم الصلاة، وكانوا يتقدمون على بقية اسماء الإلهة وكما ذُكرت اسماؤهم في الكتابات الحضرية والآرامية، وخصصت المعابد الكبيرة لهم. وفي عام 1968 تم اكتشاف ثلاثة منحوتات للتثليث الحضري واطلق على ذلك المبنى فيما بعد باسم معبد التثليث تمثل «مرن ومرتن وبر مين»، وتمثل المنحوتة الاولى الإله مرن أي الشمس بهيأة رجل كهل وحول رأسه هالة مشعة ويخرج جسمه من وراء الجبال والغيوم. اما المنحوتة الثانية تمثل الآلهة مرتن (سيدتنا) بهيآة امرأة يخرج جسمها من وسط ورقة اللاكانتوس منحوتة بشكل هلال وهي على هيأة امرأة ترتدي ثوبا شفافا. وعلى راس الآلهة ما يشبه الاكليل وتظهر الرقبة والكتفان عاريين اما الوجه والعينان فقد كانت تبدو الابتسامة عليه. اما المنحوتة الثالثة تمثل الاله برمدين ويظهر وراء راسه هلال وهالة ذات ثلاثة عشر شعاعاَ. ان البعض ظن ان برمدين هو ابن الشمس والقمر بينما اعتقد البعض الآخر بانه اله القمر فقط وان الهالة اشارة دينية لإظهار صفة السماوية وليست صفة الشمس. ان المعبد المربع لشمش تم بناؤه بأسلوب مكعب يختلف عن الطراز المعماري السائد في الحضر حيث يمكن الطواف حوله من ثلاثة جوانب خارجية وضعت تماثيل كثيرة على جدرانه ويمكن الطواف في حالات خاصة على سطح المعبد الذي يمكن الدخول اليه من باب خارجي او دهاليزها التي يفضي باب منها إليه من الابواب الجنوبية الكبيرة.
ج. وجدت تماثيل سنطروق الاول والثاني وهي تمثل تخليدا لأصحابها وإجلالا لعبادتها وكانت تقدم اليهم النذور وتقرأ أمامهم الصلوات إذ ان عبادة السلف كانت مألوفة عند سكان الحضر.
د. كان للمطبات في المعابد الكبيرة قدسية خاصة وحرمة حيث لا يدخل الناس الى المعبد الكبير الا بعد ان يخلع (حذاءه) وان (يقفز) المتعبد فوق عتباتها حيث كانت العتبات مطعمة بالأحجار الملونة.
هـ لقد آمن الحضريون بخلود الروح وكانوا يرون ان مصيرها العذاب في ظلام دامس ورطوبة لا تطاق تحت سطح الارض وان الصلاة والنذور تخفف من عذاب الروح او تنقذها.
و. عبد الحضريون الأعلام وكانت تعرف (سمسيا) وجمعها (ميسستا) وبالنظر لقدسية الأعلام دخلت اسماء الاعلام في تسمية ابنائهم وكان احد ملوكهم يسمى (عبد سمسيا) وكان العلم عند الحضريين يمثل عنوان النصر ورمز الصمود وان سقوط العلم او وقوعه بيد الاعداء اثناء المعارك والحروب، يعد اذلال للفرقة التي تحمله وقد ورد ذكر (سمسيا) في النصوص الحضرية وتعني الراية.
ز. للنسر منزلة سامية في الحضر فهو من اهم رموز الديانة الحضرية حيث وضعوا تماثيله داخل المعبد وعلى بوابات المدينة.
ح. -وبالنظر لقدسية بعض الحيوانات فقد عملوا لها المنحوتات والرسوم ووضعوها على جدران المعابد كالثور والاسد والعقرب والافعى.
ح. اعتقد الحضريون بان الاحلام هي الوسيط لتحقيق ارادة الاله ونقل اوامره ولها أثر كبير في مصير الانسان وفيما يلي نص احدى الكتابات التي اكدت هذا المعنى للأحلام (لعنة الالهة مرن ومرتن وبرمدين على من يأخذ خيمة او مظلة او فاسا او معولا او طشتا او منجلا او فأساَ من العمل الخاص بمعبد بر مدين، وكذلك على من يأخذ واحدة من قرب الماء هذه العائدة لبر مدين. لقد ظهر في الحلم إن الذي لعنه كان مرجوماَ.
ط. كان لدفن الموتى طرق خاصة بالحضريين حيث كان المتوفى يدفن في أبنية مشيدة بالحجارة بعد ان يوضع في تابوت وكان الدفن اما بوضع الاموات داخل توابيت فخارية او حجرية وأما بحرق الجثة ووضع العظام أو رمادها في جرار.
وكان لكل معبد صندوق للصدقات يشرف عليه موظف خاص وكان يقوم بجمع الواردات التي يقدمها الزوار كالهدايا والتبرعات للمعبد.
وكانت الطبقات الدينية في الحضر تتألف من:
1. (الافكل) وتعني كبير الكهنة، ومن الاشخاص الذين شغلوا هذا المنصب الرفيع (نشر يهيب السيد) جد الملك سنطروق الاول.
2. رتبة (كمر) و(كمرتا) أي الكاهن.
3. رتبة (قشيشا) أي القسيس.
4. رتبة (السفرا) وهي من الرتب الدينية المهمة وتعني الكاتب وهو المسؤول عن المحافظة عن كتب الدين وعن صحتها واستنساخها والتمسك بعدم التحريف فيها.
اما الشخص الاكبر المسؤول عن المعبد يعرف (بابيتا) أي يد البيت. والبيت هنا يقصد به المعبد الكبير وهي من الرتب الكبيرة في الديانة الحضرية اذ تشبه وظيفه الدانة عند العرب قبل الاسلام، اضافة الى رتب دينية صغيرة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.