Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

أول حكومتين منفصلتين في تاريخ بغداد

طارق حرب

حصلت حالة في بغداد زمن حكم دولة (القره قيونلو) وهي وجود حاكمين تلحقهما حكومتان في آن واحد ببغداد وهو ما لم يحصل في تاريخها اذ لأول مرة وفي عهد سيطرة دولة القره قيونلو دولة أصحاب الخروف الأسود أو الشياه السود أو أصحاب الغنم السود كان هنالك حاكمان وحكومتان في بغداد في آن واحد وهذا ما لم يحصل في تاريخها الطويل سواء في العهد العباسي أم العهد المغولي، عهد هولاكو وأبنائه، أو العهد الجلائري وهي العهود التي مرت ببغداد منذ بنائها عام 145 هـ إذ لاحظ أهل بغداد حكومه قره قيونلو وحاكم قره قيونلو في الجزء الغربي من بغداد أي الكرخ، وحاكم قره قيونلو وحكومة قره قيونلو آخر في الجزء الشرقي من بغداد أي في الرصافة في آن واحد، ويحكمان بغداد ونهر دجلة يفصل بين الحاكمين والحكومتين، وهذا ما حصل بين ولدي مؤسس هذه الدولة قره يوسف، فلقد تولّى ابنه شاه محمد بن قره يوسف انشاء حكومة وتولى الحكم في الجزء الشرقي من بغداد أي حكم الرصافة الشاه محمد بن قره يوسف، وتولى حكم الجزء الغربي من بغداد أي الكرخ إسبان بن قره يوسف، وتكرر ذلك عند فتح بغداد من أخيهم الثالث جهان شاه بن قره يوسف، اذ تولى جهان شاه حكم الجانب الشرقي من بغداد أي الرصافة، في حين تولى الوتد وهو أحد القادة في دولة القره قيونلو الحكم في الجزء الغربي من بغداد أي انه حكم الكرخ.
وتقسم حكم بغداد بين حاكمين وحكومتين لم تشهده بغداد طيلة تاريخها حتى في الحادثة المشهورة في العهد العباسي الاول بين الامين والمأمون، اذ تم تقسيم دولة بني العباس من الرشيد بين ولديه الامين والمأمون، اذ جعل المأمون على خراسان وجعل بغداد بأجمعها تحت حكم الأمين ولم يقسم بغداد بينهما.
وهكذا ففي دولة الشياه السود أخذنا نسمع باقتسام الأمراء حكم بغداد نفسها لأول مره بتاريخها، فقد أقطع قره يوسف حكومة بغداد لولده شاه محمد بعد أن تمكن من أخذها وأقطع كركوك لولده الآخر اسكندر. وبعد وفاته تفرق أبناؤه فتوجّه ولداه اسبان وجهان شاه الى بغداد التي أعلن شاه محمد الاستقلال فيها وتوجّه أخوهم الخامس أبو سعيد الى مدينة جصان في محافظة واسط. لذلك تنازع اسبان وأخوه شاه محمد حول بغداد وأطرافها، وأخذ أسبان يدبر المؤامرات لأخيه شاه محمد لإخراجه من بغداد وشنَّ حملة ضد أعوان أخيه، منها السيطرة على مدينة الدجيل وطرد حاكمها الميرزا علي الذي كان يحكمها باسم حاكم بغداد شاه محمد، ولم تؤثر احتجاجات الميرزا علي، اذ كان شاه محمد يقول انه أخوه ولا ينازعه الامر الذي شجع اسبان على أجزاء كثيرة من العراق. واخيراً لم يكتفِ بحكمه للجانب الغربي من بغداد أي الكرخ وانما نازع أخاه على الجانب الشرقي من بغداد الرصافة حتى هرب منه شاه محمد وتوجّه الى الموصل.
وغادر الاخ الثالث اسكندر بغداد، لكن اسبان بقي فيها بعد ان تزوج من احدى الإميرات القره قيونليات، وهي نكارشا خاتون واستقر في عمارة السلطان أحمد الجلائري، وهي بناية كبيرة في الجزء الغربي من بغداد. وبدلا من أن يتعاون مع أخيه شاه محمد أخذ يوسّع نفوذه على حساب أخيه شاه محمد الذي قبل في أن تكون سلطته على الجزء الشرقي من بغداد. وكانت انتصارات قوات اسبان في مناطق عديدة شجعته على المضي قدماً في تطلعاته، وهكذا انقسمت هذه العائلة الى فريقين متنافسين.أولهما شاه محمد حاكم الرصافة وثانيهما اسبان حاكم الكرخ، اي تم تقسيم بغداد الى قسمين بحاكمين مع صعود نجم اسبان وأفول نجم شاه محمد.
وبعد أن استولى أسبان على جميع المناظق المحيطة ببغداد ولم يبقَ أمامه سوى الرصافة التي بيد أخيه شاه محمد فأخذ يخطط لانتزاعها عن طريق الخداع والحيلة واقناعه بالخروج منها هو واتباعه. ومن حيله ان أدعى محاصرته في منطقة الحمار جنوب بغداد وانه يطلب النجدة، اي ان شاه محمد يترك بغداد ويذهب الى الحمار لكي يستغل الفرصة ويستولي اسبان على بغداد، لكن شاه محمد تنبه الى خطة اسبان ولم يترك بغداد، فما كان من اسبان الا ويتحرك خفية من واسط الى النعمانية والى سلمان باك جنوب بغداد، ومن هنالك الى منطقة الشيخ عمر السهروردي شرق الرصافة، ثم الى سور بغداد وباب الطلسم، وكان الحرس في غيبوبه تامه لكثرة ما تناوله من أفيون والاعشاب المخدرة، فتسلق جند اسبان السور بوساطة السلالم وفتحوا الباب ودخل أسبان وجنده بغداد سنة 1432 م، وبعدها الى ساحل نهر دجلة حيث استقر اسبان في دار الدويدار قرب الاعظمية، وتوجّه جنوده نحو القلندر خانه مقر اقامة شاه محمد قرب محلة الميدان. وهرب شاه محمد مستصحباً ولده قبل القبض عليه من جنود اسبان الى الموصل وهكذا أنفرد اسبان بحكم بغداد.
واخيراً نقول ان القره قيونلو طائفة من التركمان الرحّل ،أصلهم من تركستان وكانوا يتنقلون مع أغنامهم طلباً للمرعى، وقد قوي أمرهم في عهد قره يوسف الذي يعدُّ المؤسس الحقيقي لمملكة القره قيونلو، فقضوا على الدولة الجلائرية التي كانت تحكم بغداد وحكموا من 1411 ـ 1469م، وقد تولى السلطة في بغداد ثمانية سلاطين منهم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.