Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

شذرات من التاريخ العربي الإسلامي الدول و الأسر التي ظهرت بعد الفتح الإسلامي حتى سنة 656 هـ

علي جليل جاسم منصور

27

تنشر (المراقب العرقي) كتاب (شذرات من التاريخ العربي الإسلامي.. الدول والأسر التي ظهرت بعد الفتح الإسلامي حتى سنة 656 هـ) للاستاذ (علي جليل جاسم منصور)، ويعد هذا الكتاب من الكتب المهمة، الجديدة في مادتها، اذ يتناول الدول التي نشأت واندثرت في ظل الدولة الاسلامية، التي امتدت من اوربا حتى حدود الصين. وقد رأى المؤلف ان يجمع الاخبار التي تناولت موضوعات الدول والأسر التي ظهرت بعد الفتح الاسلامي، التي تناثرت في امهات الكتب، وأن يوحدها في كتاب واحد وبمنهجية التاريخ الحديث، ليبعث في الحدث التاريخي الماضي بعداً وتجدداً في الحياة.الفصل الثامن
أهم الدول و الأسر في الشام
والجزيرة الحمدانيون
الحمدانيون أو بنو حمدان، أسرة عربية أسست دولتها الحمدانية التي حكمت حلب والموصل وامتد نفوذها إلى بلدان وقرى الفرات والشام خلال المدة (من 317 هـ ـ 394 هـ). وينتسب الحمدانيون إلى قبيلة تغلب بن وائل من القبائل العربية التي كانت مساكنها أرض الجزيرة شمال شرق سوريا, و قامت هذه الدولة عندما ولَّى الخليفة العبَّاسي أبو الفضل جعفر المُقتدر بِالله ناصر الدولة على الموصل وأعمالها, وكان ناصرُ الدولة صاحب طُموحٍ سياسيٍّ واسع، فراح مُنذ أن تولَّى تلك المنطقة من الجزيرة الفُراتيَّة يسعى حثيثًا لِتكوين إمارة خاصَّة به، فاستعان بِالقُوَّة العسكريَّة في سبيل تحقيق رغبته وسيطر على عددٍ من بلاد شمالي العراق، ثُمَّ طلب الأمان من الخليفة والاعتراف بِسُلطته على المناطق التي فتحها، فوافق الخليفة على طلبه وقلَّدهُ حُكم تلك البلاد مُقابل مبلغٍ من المال يدفعه وفق نظام الضمان. وما لبث ناصر الدولة أن عمل على تدعيم سُلطته وتقوية نُفوذه في شمالي العراق، فأجرى عدَّة إصلاحات اقتصاديَّة أدَّت إلى انتعاش إمارته وزيادة ثروته وأتباعه، ثُمَّ استبدَّ بِالسُلطة واستأثر بِالمداخيل.
وقفت الخِلافة عاجزة عن التصدي له, ولمَّا استولى البُويهيُّون على الحُكم في بغداد، وتسلَّطوا على الخِلافة، أجبروا الحمدانيين على الانكماش في الموصل، أمَّا سيف الدولة، أخو ناصر الدولة، فقد غادر الموصل وتوجَّه إلى شمالي الشَّام، حيثُ انتزع مدينة حلب وضواحيها من أيدي الإخشيديين سنة (333 هـ), وحاول سيف الدولة أن يُوسِّع مساحة دولته باتجاه الجنوب، فاستولى على حِمص، ولكنَّهُ لم يستطع انتزاع دمشق من الإخشيديين, وقد ذاعت شُهرة سيف الدولة في التاريخين العربي والإسلامي بسبب نضاله ضدَّ الروم البيزنطيين الذين كانوا قد أرهقوا قادة العبَّاسيين بِغاراتهم على شمالي الشَّام، كما تعود إلى تشجيعه الأُدباء والعُلماء، والأشعار البُطوليَّة والملحميَّة التي نُظمت في عهده.
اشتدَّ المرض على سيف الدولة في أواخر أيَّامه حتَّى انتهى إلى غاية الضعف، لكنَّهُ رُغم ذلك استمرَّ يُرسل العساكر لِحرب الروم ودفعهم بعيدا عن حُدود إمارته وحُدود الدولة العبَّاسيَّة عُموما, وفي (10 صفر 356 هـ) تُوفي سيف الدولة في حلب، ونُقل جُثمانه بعد الصلاة عليه إلى ميافارقين حيثُ وُري الثرى إلى جانب والدته وشقيقته، ولم يكن ابنه وخليفته (سعد الدولة أبو المعالي شريف) على المُستوى نفسه من الإقدام والشجاعة والتدبير، ما أدَّى إلى ضعف الإمارة الحمدانيَّة وتراجُع قوَّتها، فطمع فيها عُمَّالها الذين تنازعوا فيما بينهم وخرجوا على أسيادهم، وجيرانها الروم البيزنطيُّون الذين استغلُّوا تفكُّك وحدتها للاستيلاء على المزيد من الأراضي الإسلاميَّة، والفاطميُّون في ضمِّ الشَّام ونشر نُفوذهم في رُبوعها, واجه سعد الدولة في بداية حياته السياسيَّة مشاكل خطيرة كان أوَّلها خُروج ابن عمِّه حمدان بن ناصر الدولة على حُكمه، وكان يتولَّى نصيبين وماردين والرَّحبة من أعمال الجزيرة الفُراتيَّة، فاستغلَّ وفاة عمِّه وأضاف إلى أملاكه الرِّقَّة والرافقة، من أعمال ديار مضر التابعة لِلإمارة الحمدانيَّة في حلب. لم يكن سعد الدولة في وضعٍ يسمح لهُ بِالتصدِّي لابن عمِّه، في ظل عدم استقرار الوضع الداخلي لِلإمارة، غير أنَّ الصراع الداخلي في الموصل بين أبناء ناصر الدولة أجبر حمدان على ترك مدينتيّ الرِّقَّة والرافقة.
ولم تمضِ ثمانية أشهر على وفاة سيف الدولة حتَّى واجه سعد الدولة مُشكلة أكثر خُطُورة، فقد خرج عليه خاله أبو فراس، وكان آنذاك في حِمص، وإذ بعث إليه بِالحُضُور فرفض، انحاز إلى قرية صدد وتحصَّن فيها. ويبدو أنَّهُ أبى أن يكون مُجرَّد عامل لابن أُخته، وهو أكبر منهُ سنًّا وأقدر على إدارة الشُؤون العامَّة، وبِخاصَّةٍ أنَّ لهُ فضائل في الحفاظ على كيان الإمارة الحمدانيَّة، كما استاء من تحكُّم الغلمان واستبداد الحاجب قرغويه بِشُؤون الإمارة في ظل ضعف سعد الدولة. ومهما يكن من أمر، فقد ارتاب سعد الدولة في تصرُّف خاله ورفض الحُضُور إلى مجلسه، وشكَّ في أمره، فقرَّر التخلُّص منه، والواقع أنَّهُ دُفع لِلقيام بِذلك من قرغويه الحاجب الذي خشي من طُمُوح أبي فراس الذي يُشكِّلُ خطرا على نُفُوذه ولعلَّهُ أوهمه بِأنَّ خالهُ يطمع في حُكم الإمارة.
استاء الخليفة الفاطمي العزيز بِالله من انتظام العلاقة بين سعد الدولة والخِلافة العبَّاسيَّة، فتطلَّع إلى الاستيلاء على إمارة حلب، كما أنَّ بيزنطة كانت تتحيَّن الفُرص لِلتدخُّل مُجددا في شُؤون الإمارة, فأرسل الإمبراطور باسيل الثاني قُوَّة عسكريَّة من اللاذقيَّة أغارت على مُدن السَّاحل الشَّامي, وقام الفاطميُّون بِالرد على هذه الغارات، ووصلوا إلى نواحي أنطاكية، غير أنَّ قُوَّاتهم رُدَّت على أعقابها، ووصلت فُلُولهم إلى طرابُلس الشَّام، فقام واليها بِمُهاجمة اللاذقيَّة، وتمكَّن من إلحاق الهزيمة بِالقائد البيزنطي وأسره، واستولى على المدينة، وذلك في سنة (372 هـ), أتاح هذا الانتصار لِلفاطميين بِأن يُخلِّصوا المُدن والحُصُون الساحليَّة من أيدي الروم، وتمكَّنوا من الاستيلاء على حصن بانياس, حدث ذلك في الوقت الذي ساءت فيه العلاقة بين سعد الدولة وبين عامله على حِمص بكجور، الطامع في استعادة سيطرته على حلب، فأجبرهُ الأمير الحمداني على التخلِّي عن حُكم حِمص، فكتب بكجور إلى الخليفة الفاطمي العزيز بِالله يطلب منهُ منحه ولاية دمشق ومُساعدته في الاستيلاء على حلب، فاستجاب لِطلبه، وكتب إلى والي دمشق أفتكين التُركي وإلى منشَّا بن إبراهيم الفرَّار، كاتب الجيش هُناك، بأن يُسلِّما دمشق لِبكجور، وأن يمُدَّاه بِقُوَّةٍ عسكريَّةٍ من دمشق لِقتال سعد الدولة وقصد بلاده.إعترف سعد الدولة سنة (376 هـ) مرَّة أُخرى بِسيادة الخليفة الفاطمي العزيز بِالله، وأمر بِذكر اسمه في الخِطبة، ولعلَّ هذا التقارُب بين العاهلين إنَّما حدث بعد أن حلَّت الهزيمة بِالجُيُوش البيزنطيَّة في البلقان على يد البلغار، وتردَّد صداها في سائر أنحاء المشرق. وفي تلك المدة أيضا أقدم الخليفة الفاطمي على عزل بكجور لِسوء سيرته وتذمُّر الدمشقيين منه، فتوجَّه الأخير إلى سعد الدولة وطلب منهُ أن يُعيده إلى ولايته السَّابقة حِمص، فرفض طلبه, فما كان من بكجور إلَّا أن كتب إلى العزيز بِالله في مصر يُطمعه في حلب، وقال لهُ أنَّ حلب دهليز العراق، متى ما أُخذت كان بعدها أسهل.تُوفي سعد الدولة ليلة الأحد في (26 رمضان 381 هـ)، بِسبب ما أصابه من الفالج، وكان قد عهد إلى ابنه أبي الفضائل – سعيد الدولة – من بعده، على أن يتولَّى كبير الغلمان أبو مُحمَّد لؤلؤ الجراحي السيفي الوصاية عليه, أضحى لؤلؤ السيفي الحاكم الفعلي لِلإمارة الحمدانيَّة في ظل حُكم صبيٍّ قليل الخبرة، وفي عهده تجدَّدت مُشكلة تدخُّل الغلمان في شُؤون الدولة، وانحاز بعض قادة الدولة مع أنصارهم إلى الفاطميين. على أنَّ سعيد الدولة اكتسب محبَّة الناس بعد أن أجرى بعض الإصلاحات الماليَّة والاقتصاديَّة، ورفع الظُلم عن السُكَّان بِأن ردَّ إليهم ما كان جدُّه سيف الدولة ووالده سعد الدولة قد صادره منهم من الأملاك، وردَّ الخِراج إلى رسمه الأوَّل.كانت وفاة سعيد الدولة بِمثابة النهاية الفعليَّة لِحُكم الأُسرة الحمدانيَّة بِحلب، بِفعل أنَّ لؤلؤ أضحى حاكم الدولة، يحكم باسم ولديّ سعيد الدولة الصغيرين أبي الحسن علي وأبي المعالي شريف، من دون أن يكون لِأيٍّ منهُما أثرٌ في السُلطة، ولمَّا تُوفي لؤلؤ استبدَّ ابنه منصور بِالحُكم، وكان قصير النظر في السياسة، كما كان مغرورًا وسكِّيرًا وظالمًا، فأبغضه الحلبيُّون، ولم يلبث أن قامت بِوجهه فتنة انطلاقًا من قلعة حلب ذاتها أشعلها قائد القلعة، فهرب مع أولاده وإخوته وبعض غلمانه إلى أنطاكية، ولم يلبث ذلك القائد، واسمه فتح القلعي، أن أعلن ولاءه لِلفاطميين، فشكره الحاكم وعيَّنهُ واليًا على المدينة وأطلق توقيعًا لِأهل حلب بِإطلاق المُكُوس والمظالم والتخلّي عمَّا هو مُقرَّر عليهم من الخِراج, ثُمَّ ما لبث الحاكم بِأمر الله أن عزل القلعي من منصبه وولَّاه صور، وعيَّن واليًا فاطميًّا على حلب يُدعى فاتك ولقَّبهُ «أميرُ الأُمراء عزيزُ الدولة»، فدخل المدينة يوم الأحد في (3 رمضان 407 هـ)، وهو أوَّلُ والٍ فاطميٍّ مُعيَّن على مدينة حلب، وبذلك أصبحت المدينة جُزءا من الدولة الفاطميَّة، وانقرضت الإمارة الحمدانيَّة بعد أن عمَّرت زهاء سبعين عاما.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.