Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

وسائل التبريد ببغداد في العهد العباسي الأول

طارق حرب
عرفت بغداد في العهد العباسي الاول مظاهر حضارية كثيرة، منها حفظ الثلج وبيعه والتفنن في وسائل التبريد، اذ اتخذ أهل بغداد ولا سيما الاغنياء منهم جملة من وسائل التبريد والتهوية أيام الصيف الحارة في العصر العباسي الاول، ونجد في كثير من الكتب والشعر الكثير عن الثلج والثلاجين، من ذلك ما كتبه د. ناصر الحاني في كتابه (صور عباسية) والمقدسي الجغرافي في (أحسن التقاسيم) وغيرهم، ذلك ان مناخ بغداد حار في الصيف الذي يمتاز بطول شهوره عن الشتاء وما أكثر من ضاق ذرعاً بحر بغداد، فذمّوا صيفها غير ان البغداديين برغم كل ذلك عملوا على تخفيف وطأة الحر وهيأوا الوسائل لتخفيفه باستعمالهم الثلج ووسائل التبريد الاخرى، وان كان البعض يرى ان أول من وضع الثلج في بيت الشراب الحجاج بن يوسف الثقفي. وكان خلفاء بغداد والوزراء والاغنياء من أوائل من استعملوا الثلج في تبريد الماء للشرب واستعملوه لتبريد الهواء واستعمل أهل بغداد في تبريد الماء الجرار والمزمله أو البراد والحبوب الفخارية والمزملة آنيه يبرد فيها الماء توضع عليها لفائف ثياب خشنة وتغشى بجلد أو ثوب وتوضع بشكل ترتفع به عن الارض.وكان في بيوت الاغنياء والأمراء ببغداد مجارٍ هوائية تبنى بناءاً محكماً تسمى برادات يتسرب منها هواء بارد يفيدون منه أيضاً بتبريد الماء الذي يضعونه بأكواز أسفل البرادات. وكان هنالك جماعه يتولون جمع الثلج وكبسه أوان سقوطه ببغداد واخرجه وبيعه للناس في فصل الصيف حيث أمتهن هذه المهنة ثلاجون كثيرون وتروي كتب التاريخ قصصا كثيرة عن بيعهم الثلج.
وممن اشتهر باسم الثلاج ببغداد عبد الله بن محمد بن الثلاج المحدث الذي يروي عن جده انه كان يجمع الثلج لنفسه ويشربه، وان الخليفة الموفق طلب ثلجاً فلم يوجد الا عنده، فأهداه للخليفة لذلك لقب جده بالثلاج. ويروى عن أحد الثلاجين ببغداد انه أثرى ببيع الثلج الى عبيد الله بن عبدالله الطاهر الذي طلب ثلجاً فلم يجده الا عنده، فطلب مبلغاً كبيراً فقبل عبيد الله ذلك لأن الثلج كان لجارية أحبها حباً شديداً برئت من مرضها بسبب هذا الثلج، حتى ان عبيد الله قال للثلاج أنت بعد الله رددت حياتي بحياة جاريتي لأجله، فقد استخدم هذا الثلاج في شرابه وثلجه وكثير من أمر فكانت تلك الواقعة أصل نعمة هذا الثلاج.
والثمن المدفوع عن الثلج كان باهظاً جداً، ولقد روت لنا كتب التاريخ ان الثلج كان يباع في أسواق بغداد كما تباع الخضر والرياحين، ويستطيع شراءه فقراء بغداد كما يشتريه أغنياؤه، حيث يروى ان وزير بغداد زمن المأمون الفضل بن الربيع استتر ببيت لرجل فقير حمل له خبزاً ولحماً وثلجاً. وكان خلفاء بغداد يحبون الثلج، منهم المأمون والمهدي والرشيد الذي كان يستعمل الثلج على مائدته، وحكي عن المأمون قوله ان شرب الماء بالثلج أدعى الى الإخلاص والحمد، ويروى ان نفقات الثلج من الخليفة المتوكل بلغت الف الفي درهم.
ومما يروى ان والي البصرة حمل الثلج من أحد مدن الهند الى خليفة بغداد المهدي عندما كان يؤدي مراسيم الحج، وان مفلح الاسود خادم بستان الخليفة المقتدر طرح في أنهار بستانه خمسين ألف رطل من الثلج، الامر الذي يدل على كثرة الثلج في بغداد، وكانت السفن من نوع الحراقات التي يستخدمها رجال الدولة في نهر دجلة، يجمد فيها الثلج ويعلق عليها الخيش المبلل. ومما يذكر ان الخليفة المعتز كانت وفاته بسبب الماء بالثلج، اذ بعد خلعه وادخاله الحمام لعدة أيام عطش فأسقوه ماءاً بالثلج الذي كان سببا لموته. ويروى عن وزير بغداد المشهور ابن الفرات الذي تقلد الوزاره ثلاث مرات انه كلما يتولى الوزارة يزيد سعر الثلج، ومما فعله انه سقى الناس أول يوم استيزاره في وزارته الثانية زمن الخليفة المتوكل أربعين ألف رطل من الثلج، ومما وجد لدى وزير معز الدولة البويهي أبو طاهر عام 258 هـ ستة آلاف رطل ثلج، ومما يروى ان عضد الدولة البويهي انه حظر عمل الثلج في بغداد وجعله خاصا بالسلطان فقط.
وكان الثلج في بغداد لا يستعمل لتبريد الماء والشراب فقط بل كان يستخدم في حفظ الفواكه والعلاج الطبي وتكييف الهواء في بيوت بغداد لذلك استخدم الثلج لعلاج الخليفة الموفق من مرض النقرس، حيث يتم تبريد رجله بالثلج. وكان الثلج يضاف الى بعض المشروبات، وكان الثلاجون لا يعتمدون على الثلج الذي يسقط ببغداد في الشتاء وانما يجلبونه من فارس أيضاً لكثرة الثلج فيها، ولأنها تمتاز بجوها البارد طول السنه وكان يأتي من خوارزم أحياناً.
واستفاد أهل بغداد من الثلج في تبريد الهواء اذ اتخذوا وسائل للتبريد والتهوية أيام الصيف الحارة، ومنهم من اتخذ السراديب وسيلة لذلك. وقد غلب اتخاذ الخيش للتبريد في الصيف وقد اشتهر باني بغداد الخليفة المنصور بذلك، بحيث عدّ أهل بغداد أن الخيش لذة العيش! وكان كثير من أهل بغداد يلتمسون طرقا اخرى للتبريد كالنوم على السطوح والمرواح منها مروحة الخيش وتكون شبه الشراع للسفينة، ويروى ان أول استخدامها كان زمن الخليفة الرشيد حيث يقول احد الشعراء في امات المراوح التي تستخدم في بغداد:
ومبثوثة في كل شرق ومغرب
لها امات بالعراق قواطن
يحرك أنفاس الرياح حراكها
كأن نسيم الريح فيهن كامن

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.