Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

الأختام في حضارة وادي الرافدين

د. خمائل شاكر الجنابي

 

تعدُّ الأختام من الابتكارات الأصلية التي تميّزت بها حضارة بلاد الرافدين من غيرها من حضارات العالم القديم. وكانت هذه الأختام اول الامر قطعة صغيرة من الحجر مستطيلة الشكل تقريبا محززة في احد وجهيها بخطوط مستقيمة متقاطعة وقد تم اكتشاف مثل هذا النوع في الطبقة الثانية في الموقع الاثري من تل حسونة في شمالي العراق التي تعود الى 5400 ق. م. ويسمى هذا النوع من الاختام بالاختام المنبسطة وهي عادة ما تكون على شكل اقراص تشبه الازرار. وهذه الاختام تسمى احيانا (Buton Seals).

وبمرور الوقت سميت بالاختام المنبسطة تمييزاً لها عن غيرها واخذ النحات السومري يتفنن في حفر انواع الحجر بمختلف النقوش منها الهندسية ومنها ما له صلة بالحياة اليومية التي كانوا يعيشونها. وبقيت هذه الاختام تستعمل بكثرة في عصر الوراء وسامراء وحلف والعبيد أي ما يقارب نحو الف ومئتي سنة وبعبارة أخرى حتى عصر الوركاء.

ولكن مع تقدم الحياة ومرور الوقت وجد الفنان السومري ان هذا النوع من الأختام لا يفي بالغرض اذ يضطر الى تكرار الطبع على سطح فوهة الجرة واعناقها لذلك ابتكر في عصر الوركاء طريقة تعدّ مثالية وعملية للدلالة على ملكية الشخص الذي تعود له المواد المخزونة، والابتكار الجديد كان حجرة اسطوانية الشكل مثقوبة من وسطها طوليا حفر النحات على سطحها موضوعات دينية ودنيوية وأصبح الختم الاسطواني اكثر ملائمة من الختم المنبسط الشائع انذاك فعند دحرجة الختم الاسطواني الضغط عليه قليلا على سطح الطين المعدّ لهذا الغرض المذكور، تترك فيه طبعات عديدة على الجهات المراد ختمها وبكل سهولة. وقد برهنت نتائج التنقيبات ان اقدم الرُقَم الطينية التي وصلت الينا هي المختومة بطبعات الاختام الاسطوانية التي تعود بتاريخها الى حوالي الالف الرابع قبل الميلاد في عصر الوركاء.

وكانت هذه اولى الاستعمالات للأختام الاسطوانية وهي ميزة ذات اهمية كبيرة على مستوى السلم الحضاري وهي ابداع حضاري نقي خاص بالعراق.

وعلى الرغم من استعمال الاختام في عدد من البلدان الاخرى مثل مصر خلال الالف الثالث قبل الميلاد وسوريا وفلسطين وبلاد الاناضول والهند، إلا ان الاختام المنبسطة هي السائدة في هذه البلدان غير ان الختم الاسطواني استمر استعماله في بلاد الرافدين التي (ابتكرها السومريون خلال الالف الرابع قبل الميلاد) بقي استخدامها من عصر الوركاء الى القرن الاول الميلادي تقريبا (أي 4000 سنة تقريبا)، وهذا دليل كبير على ان الاقطار المجاورة للعراق وحتى البعيدة منها قد اخذت صناعة الاختام الاسطوانية خلال العلاقات التجارية او السياسية او الثقافية في عهد الامبراطوريات، وهذا ما دلت عليه المكتشفات الاثرية في تلك البلدان القريبة والبعيدة، اذ وجد العلماء العديد من الاختام التي تعود الى فترات مختلفة من تاريخ بلاد الرافدين.

وبالإضافة الى استخدام لغرض التجارة والعقود والمواد الثمينة الاخرى فان الختم الاسطواني نفسه استعمل كعلامة دالة او اداة تعريف بملكية الشخص صاحب الختم. ومن الجدير بالذكر ان أي ختم سواء كان منبسط او اسطواني من غير المقبول ان تكون له نسخة ثانية اطلاقا لأنه بمثابة توقيع المالك له. اما الشبه فممكن لان النحات ينحت بناء على طلب المالك احد الموضوعات المطروقة المستوحاة من حياة المجتمع اليومية، سواء كان من طقوس دينية ام احتفالات ام مشاهد دنيوية ام حوادث ام اساطير هامة تخص ذلك المجتمع في تلك المدة او المدة التي تسبقها. وأصبحت موروثة للأجيال التي بعدها لكن الاختلاف يكمن في اسم صاحب الختم الذي ينقش ايضا على الختم ورمزه. بحيث كان ضياع الختم يعرض صاحب الختم الى مشكلات حقيقية، اذ كان واجبا على التاجر او المالك الختم ان يتخذ الاجراءات القانونية لذلك والتي لا تكون إلا بالرجوع الى السلطة القضائية. فقد وجد نص سومري يسلط الضوء على اسلوب معالجة هذه الحالة والتي تحدث في مدد متأخرة في مجتمعاتنا، اذ ينادي منادي باستخدام احد الآلات لجذب الانتباه للإبلاغ عن فقدان شيء او بلاغ حكومي.

يبين النص منادياً كان يسير في شوارع المدينة وهو ينفخ في آلة القرن ليبلغ الناس عن ضياع ختم تار اسمع ارشول: (التاجر ارشول فقد ختم يحمل اسمه، وتنفيذ القرار من مجلس القضاء خرج المنادي ينفخ القرن في الشوارع ليعلن الامر الخاص بان لا يكون لأي شخص ان يدعي ضده (على ارشول التاجر) في كل مدن جنوب العراق او كل المدن التي يتاجر معها هذا التاجر)، وهذا ان دل على شيء يدل على اهمية هذا الختم من الناحية القانونية ايضا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.