Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

البرزَخ..وساطةٌ بين عالَم المجرّدات وعالَم الماديّات

تبوّأت «الصحيفة السجّادية» المباركة صدارة النصوص الشريفة المتّصلة بآداب الدعاء، وقد شغلت مكانتها أعمال العلماء والمحقّقين على امتداد قرونٍ خلتْ..هذه المقالة التي اخترناها من كتاب العلامة السيّد علي خان المدني الشيرازي رحمه الله (رياض السالكين في شرح صحيفة سيّد الساجدين)، تقدّم شرحاً لغويّاً ومعنويّاً لمصطلح (البرزخ) الوارد ضمن فقرة من الدعاء الأوّل من أدعية الصحيفة المباركة، وهي قوله عليه السلام: «..وَالْحَمْدُ للهِ عَلى ما عَرَّفَنا مِنْ نَفْسِهِ..حَمْداً يُضيءُ لَنا بِهِ ظُلُماتِ الْبَرْزَخِ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْنا بهِ سَبيلَ الْمَبْعَثِ، وَيُشَرِّفُ بهِ مَنازِلَنا عِنْدَ مَواقِفِ الأَشْهادِ»..فالبرزخ في اللّغة: هو الحاجز بين الشّيئَين، وأُطلق على الحالة التي تكون بين الموت والبعث؛ قال تعالى: ﴿..وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ المؤمنون:100، وهي مدّة مفارقة الرّوح لهذا الجسد المحسوس إلى وقت البعث وعودها إليه، ويُطلق على القبر بهذا الاعتبار..وروى ثقة الإسلام في (الكافي) بإسناده عَنْ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: «قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ الله عليه السلام: إِنِّي سَمِعْتُكَ وأَنْتَ تَقُولُ كُلُّ شِيعَتِنَا فِي الْجَنَّةِ عَلَى مَا كَانَ فِيهِمْ، قَالَ: صَدَقْتُكَ، كُلُّهُمْ واللهِ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ الذُّنُوبَ كَثِيرَةٌ كِبَارٌ، فَقَالَ: أَمَّا فِي الْقِيَامَةِ فَكُلُّكُمْ فِي الْجَنَّةِ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ الْمُطَاعِ أَوْ وَصِيِّ النَّبِيِّ، ولَكِنِّي، واللهِ، أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ فِي الْبَرْزَخِ، قُلْتُ: ومَا الْبَرْزَخُ؟ قَالَ: الْقَبْرُ مُنْذُ حِينِ مَوْتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
«إضاءة» ظلماتِ البَرزخ
الأوّل: في هذه الفقرة من الدّعاء دلالةٌ على بقاء النفوس الناطقة بعد خراب الأبدان، لأنّ الإضاءة المطلوبة ليست إلا للّروح، وإلّا فالجسم يضمحلّ ويستحيل، وهو مذهب أكثر العقلاء من الملّيّين والفلاسفة القائلين بأنّ الرّوح جوهرٌ مجرَّدٌ أبديّ لا يعتريه الزّوال، ولا يتطرّق إليه الاختلال، ولم ينكره إلّا شِرذمة قليلون، كالقائلين بأنّ النّفس هي المزاج، أو الدّم، وأمثالهم ممّن لا يُعبَأ بهم، ولا يُلتفت إلى أقوالهم، والشّواهد العقليّة والنّقليّة على ذلك أكثر من أن تُحصى، ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ آل عمران:169-170.
الثّاني: «الباء» في قوله عليه السّلام «يُضِيءُ.. بِه»، إمّا للسببيّة أو للآلة، ثمّ الظاهر أنّ المراد بالإضاءة به أن يصير الحمدُ جسماً متكيّفاً بالضّوء تُشرق به الظلمات البرزخيّة، كالشّمس المشرقة التي تشرق بضوئها الظلماتُ الزمانيّة، بناءاً على ما هو الصحيح من تجسّم الأعمال والاعتقادات في تلك النّشأة، كما دلّ عليه كثير من الأخبار المرويّة عن أرباب العصمة عليهم السّلام؛ فالأعمال الصّالحة والاعتقادات الصّحيحة تظهر صوراً نورانيّة مشرقة يستضيء بنورها أصحابها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ..﴾ الحديد:12. وفي الخبر: «إنَّ العَمَلَ الصَّالِح يُضِيءُ قَبْرَ صَاحِبِهِ كَمَا يُضِيءُ المِصْباحُ الظُّلْمَةَ».
الثّالث: قال بعضهم: «لا يبعد أن يُحمَل البرزخ على الوجود في عالم الشّهود، أعني الوجود الحسّي كما يطلق عليه المحقّقون من الصوفيّة؛ فيقولون: الموجودات في غواسق برزخيّة، ووجه الإطلاق أنّهم ارتقوا عن فناء العدم الصرف، وما اتّصلوا بالوجود البحت الأبديّ، ولم يصلوا إلى ساحته فكانوا بينَ بين، وتعدّد الظلمات حينئذٍ باعتبار ظُلمة الإمكان والاحتياج والمادة، وبقيّة آثار ظلمة العدم، إلى غير ذلك».

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.