Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

حرّيةُ الإنسان..لا حرّيّة أمام كلمة الحقّ

الإنسان بحسب الخِلقة موجود ذو شعور وإرادة، له أن يختارَ لنفسه ما يشاء من الفعل، وبعبارة أخرى: له في كلّ فعل يقف عليه، أن يختار جانبَ الفعل، وله أن يختار جانب التّرك، فكلُّ فعل من الأفعال المُمكنةِ الإتيانُ إذا عُرض عليه، كان هو بحسب الطّبع واقفاً بالنّسبة إليه على نقطة يلتقي فيها طريقان: الفعل والتّرك، فهو مضطرّ في التلبُّس والاتّصاف بأصل الاختيار، لكنّه مختارٌ في الأفعال المُنتسِبة إليه، الصّادرة عنه باختياره، أي إنّه مُطلَق العنان بالنّسبة إلى الفعل والتّرك بحسب الفطرة، غيرُ مقيّد بشيء من الجانبَين ولا مغلول، وهو المراد بحرّية الإنسان تكويناً..ولازمُ هذه الحرّية التّكوينية حريةٌ أخرى تشريعية يتقلّد بها في حياته الاجتماعية، وهو أنّ له أن يختار لنفسه ما شاء من طُرق الحياة، ويعمل بما شاء من العمل، وليس لأحد من بني نوعه أن يستعليَ عليه، فيستعبدَه ويتملّكَ إرادته وعمله، فيحمل بهَوى نفسه عليه ما يكرهُه، فإنّ أفراد النّوع أمثالٌ، لكلٍّ منهم ما لغيره من الطّبيعة الحُرّة، قال تعالى:﴿..وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ..﴾ آل عمران:64..هذا ما للإنسان بالقياس إلى أمثاله من بني نوعه، وأمّا بالقياس إلى العِلل والأسباب الكونية التي أَوجدت الطّبيعةَ الإنسانية فلا حرّية له قِبالُها، فإنّها تملِكه وتحيط به من جميع الجهات وتقلبه ظهراً لبطن، وهي التي بإنشائها ونفوذ أمرها فعلت بالإنسان ما فعلت، فأظهرتْه على ما هو عليه من البُنيان والخواصّ من غير أن يكون له الخِيَرةُ من أمره فيَقبل ما يحبّه ويَرُدّ ما يكرهه، بل كان كما أُريد [له] لا كما أراد، حتىّ أنّ أعمالَ الإنسان الاختيارية – وهي مَيدان الحرّية الإنسانية – إنّما تطيع الإنسان فيما أذِنت فيه هذه العللُ والأسباب، فليس كلّ ما أحبّه الإنسان وأراده بواقع، ولا هو في كلّ ما اختاره لنفسه بموفَّق له، وهو ظاهر وهذه العلل والأسباب هي التي جهّزت الإنسانَ بجهازات تُذَكِّرُه حوائجَه ونواقص وجوده، وتبعثُه إلى أعمال فيها سعادتُه وارتفاع نواقصه وحوائجه، كـ «الغَاذِية» مثلاً، التي تذكّره الجوعَ والعطش، وتهديه إلى الخبز والماء لتحصيل الشّبع والرّي، وهكذا سائر الجهازات التي في وجوده..والثانية: أنّ المجتمع لا يقوم له صُلبٌ دون أن تجريَ فيه سننٌ وقوانين يتسالم عليها الأفراد المجتمعون أو أكثرُهم، تضمن تلك السّنن والقوانين منافعَهم العامّة بحسب ما للاجتماع من الحياة الرّاقية أو المنحطّة الرّديّة، وتُستحفظ بها مصالحهم العالية الاجتماعية..فخلاصة أنّ الإنسان إنّما هو حُرّ بالقياس إلى أبناء نوعه فيما يقترحونه لهوى من أنفسهم، وأمّا بالنّسبة إلى ما تقتضيه مصالحُه المُلزِمة – وخاصّة المصالح الاجتماعية العامّة على ما تهديه إليها وإلى مقتضياتها العللُ والأسباب – فلا حرّية له البتّة..وأنّ الدّعوةَ إلى سُنّةٍ أو أيّ عمل يوافق المصالحَ الإنسانية من ناحية القانون أو مَن بيده إجراؤه، أو النّاصح المتبرّع الذي يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر متمسّكاً بحجّة بيّنة، [ليست] من التّحكُّم الباطل وسلبِ الحرّية المشروعة في شيء..فهو سبحانه الحاكمُ على الإطلاق، والمُطاع من غير قيد وشرط، كما قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ..﴾ الأنعام:57..وبعبارة أخرى، العقيدة بمعنى حصول إدراك تصديقيّ ينعقد في ذهن الإنسان ليس عملاً اختياريّاً للإنسان حتّى يتعلّق به منع أو تجويز أو استعباد أو تحرير، وإنّما الّذي يقبل الحظر والإباحة هو الالتزام بما تستوجبه العقيدة من الأعمال؛ كالدّعوة إلى العقيدة، وإقناع الناس بها، وكتابتها ونشرها؛ وإفساد ما عند النّاس من العقيدة والعمل المخالفَين لها، فهذه هي التي تقبل المنع والجواز. ومن المعلوم أنّها إذا خالفت موادّ قانون دائر في المجتمع أو الأصل الذي يتّكىء عليه القانون، لم يكن مناصّ من منعها من قبل القانون، ولم (يستند) الإسلام في تشريعه على غير دين التّوحيد (التّوحيد والنّبوّة والمعاد)، وهو الّذي يجتمع عليه المسلمون واليهود والنّصارى… (أهل الكتاب)، فليست الحرّيّة إلّا فيها، وليست فيما عداها إلّا هدماً لأصل الدّين..».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.