Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

وقفة مع سورة النصر

شكّل فتحُ مكّة صفحة جديدة في تاريخ الإسلام؛ كانت نتيجته تلاشي مركز الشرك؛فانهدمت الأصنام والأوثان،وتبدّدت آمال المشركين،وتطهّرت شبه الجزيرة العربيّة من الشرك وظلمات الجاهليّة،وأُزيلت فيها موانعُ وسدودٌ أمام طريق إيمان الناس بالإسلام، وأمام طريق انتشار الدعوة الإسلاميّة في بقيّة أجزاء هذا العالم. في هذا المقال نُطلّ على مضامين هذه السورة القصيرة، التي وضعت سياسة عامّة وضابطة أخلاقيّة لكلّ منتصرٍ في جهادٍ كان لله..وهذه السورة الصغيرة تحمل البشرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة أمور: بنصر الله، والفتح، ودخول الناس في دين الله أفواجاً. وهي توجّه المؤمنين إلى أنّ عليهم حين تحقُّق نصر الله والفتح الإسلاميّ الكبير، ومشاهدتهم دخول الناس في دين الله أفواجاً، أنْ يتوجّهوا إلى الله بالتسبيح والتحميد والاستغفار، لا أن يشعروا بالزهو أو الفرح المفضي إلى الغرور والاستعلاء والاستقواء على الآخرين..وقد تضمّنت هذه السورة على الرغم من قصرها، معانيَ عميقة، منها..أُضيف النصر في الآية إلى الله تعالى، حيث يقول: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ﴾. وفي كثير من الآيات القرآنيّة، نجد نسبة النصر إلى الله تعالى، كما في قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾(آل عمران: 126)وقوله:﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214). وهذا يعني أنّ النصر في أيّ حالٍ من الأحوال لا يكون إلّا بإرادة الله ومشيئته وتوفيقه، ولا يكون إلّا من عنده، وذلك بعد إعداد القوّة للنصر والغلبة على العدوّ، وتهيئة أسباب النصر ووسائله وأدواته..وتطرح السورة ثلاثة أمور: نصر الله، ثمّ الفتح، ثمّ انتشار الإسلام بمشهد كبير: دخول الناس في دين الله أفواجاً وبين هذه الأمور الثلاثة ارتباطٌ وثيق، ارتباط السبب بالنتيجة، فإنّ نصر الله سببٌ في تحقُّق الفتح، والفتح -في حدّ ذاته- سببٌ يرفع الموانع أمام طريق الدعوة الإسلاميّة وانتشار الإسلام، فيدخل الناس في دين الله أفواجاً..وإنّ الله تعالى يوجِّه المؤمنين والمسلمين إلى كيفيّة التعامل مع النصر الإلهيّ والفتح، فيأمرهم بثلاثة أمور عندما يتحقّق النصر والفتح والغلبة على العدوّ: التسبيح، والتحميد، والاستغفار..فالتسبيح بالحمد: التسبيح هو تنزيه الله من كلّ عيب ونقص؛ تنزيهه من البخل والظلم والقسوة والضعف والحاجة والغفلة وغير ذلك..فالحمد الثناء على الله: يعني الثناء على الله لأفعاله وأعماله الجميلة، ولصفاته الكماليّة فنحن نحمده ونثني عليه لإحسانه ورزقه وخلقه وشفائه ونصره وغير ذلك من أفعاله الحسنة، ونحمده ونثني عليه لكرمه وعلمه وقوّته وإمكانه عباده على الغلبة والنصر على الظالمين..والاستغفار- طلب العفو: معنى الاستغفار طلبُ العفو من الله إزاء التقصير الذي يحصل من العبد تجاهه سبحانه..وإنّ قوله تعالى:﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، قد يراد منه تعليم المسلمين العفو والتسامح والصفح عن الآخرين، فكما أنّ الله توّاب، كذلك أنتم ينبغي أن تقبلوا توبة المذنبين والمجرمين بعد الانتصار، فلا تطردوا المجرمين والمذنبين ما داموا قد ابتعدوا عن مواجهتكم والتآمر عليكم؛ ولذلك نجد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ موقف العفو والرحمة في فتح مكّة، فعفا عن كلّ أولئك الأعداء الذين حاربوه وآذوه سنواتٍ طويلة..وهذا هو الدرس الكبير الذي نأخذه من خلال هذا التعليم الإلهيّ، وهو أن نقف موقفاً يجسّد العفو والتسامح مع القدرة، وأن لا نشعر بالغرور والاستعلاء، وأن لا نلجأ إلى الانتقام في حالات النصر، فحال العابد، المراقب لحضور الله تعالى حينما ينتصر، أن يتّجه إلى شكر الله وحمده، وذكره باستمرار؛ حتّى لا ينتصر فيه الغرور أو الانتقام.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.